
أبوذر عوض الكريم يكتب: مجد الجذور
شــمــوخ وطن
أبوذر عوض الكريم أحمد
مجد الجذور
في البيوت السودانية القديمة، كانت الأبواب تعرف أصحابها والغرباء، وكانت رائحة القهوة تكفي أحياناً لتفتح مجلساً كاملاً، فيجد العابر مكاناً في صدر الدار قبل أن يشرح حاجته. لم تكن سعة البيوت تُقاس بعدد غرفها، بل بمقدار ما تتسع له من قلوب؛ ولم تكن المروءة حديثاً يُقال في المناسبات، بل سلوكاً يومياً يتوارثه الأبناء من غير وصية مكتوبة.
في حوش البيت، تحت ظلال النيم، تعلّم الصغار أن الكبير لا يُقاطع، وأن الضيف لا يُترك وحيداً، وأن الجار الذي غاب عن مجلس المساء يستحق السؤال. وفي مطابخ الأمهات، كانت الحكايات تمتزج برائحة الكسرة والملاح، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى مدرسة كاملة في الكرم والصبر واحترام الناس. هناك تشكّلت ملامح الشخصية السودانية؛ لا في الكتب وحدها، بل في طريقة تقديم الماء، وفي اقتسام اللقمة، وفي اليد التي تمتد بالعون من غير أن تنتظر ثناءً أو تحفظ جميلاً.
لم تكن تلك الحياة مثالية، ولم تخلُ من خلافات البيوت ومشقة الأيام، لكنها امتلكت ما يجعل الاختلاف قابلاً للاحتواء، وما يمنح العلاقات فرصة أخرى قبل أن تنكسر. كان الاعتذار يحفظ الود، وكان العتاب باباً للإصلاح، وكانت صلة الرحم أكبر من نزوة غضب عابرة. أما اليوم، فقد تتجاور البيوت وتبتعد القلوب، وتزدحم الهواتف بالأسماء بينما يظل بعض أقرب الناس أبعدهم عن السؤال. لا عيب في تغير الأزمنة، لكن الخسارة تبدأ عندما نتخلى عن المعاني التي جعلت لحياتنا طعماً يتجاوز حاجات العيش اليومية.
إن أعظم ما تورثه الأجيال لا يُحفظ في خزائن المال، ولا يُقاس بما تتركه من عقارات وأشياء؛ إنه ذلك الرصيد الخفي الذي يجعل الابن سنداً لأبيه، والابنة قريبة من أمها، والأخ مأمناً لأخيه، والجار وجهاً مألوفاً لا يمر في الطريق كأنه لا يعرف أحداً. قد يترك الإنسان لأبنائه منزلاً واسعاً، لكنه إن لم يترك فيهم رحمةً وعدلاً ووفاءً، فقد أورثهم الجدران وأضاع البيت. فالمكان يُبنى بالحجر، أما البيت الحقيقي فتقيمه الأخلاق، وتحرسه المحبة، وتمنحه الأيام قيمته.
والسودان، بما عرفته مدنه وقراه وفرقانه من تنوع في العادات والألسن وطرائق العيش، لم يكن يوماً صورة واحدة متطابقة؛ بل كان فسيفساء من الشخصيات والطباع، تجمعها قيم احترام الجوار، ونجدة المحتاج، والاعتزاز بالكلمة الطيبة. من مجالس الرجال إلى حلقات النساء، ومن أفراح الحصاد إلى مناسبات الزواج، ظل المجتمع يصنع روابطه بوسائل بسيطة، لكنها أمتن من كثير من العلاقات التي تنشأ على المصالح وحدها. وفي هذا التنوع سر من أسرار غناه، ما دام الاختلاف باباً للتعارف لا ذريعة للتعالي، وما دامت الكرامة حقاً لا يتوقف على المال أو النسب أو المكانة.
ولا يكفي أن نستدعي هذه الصور بحنين جميل ثم نتركها للذاكرة. فالقيم التي لا تجد طريقها إلى السلوك تتحول مع الوقت إلى حكايات يرويها الكبار، ويستمع إليها الصغار من دون أن يعرفوا كيف يعيشونها. نحتاج إلى أن تعود الأسرة مساحة للحوار لا ساحة للأوامر، وأن يجد الأبناء في الكبار قدوةً يرونها لا نصائح يسمعونها فحسب، وأن نتعلم أن احترام عامل النظافة لا يقل شأناً عن توقير صاحب المنصب، وأن الكلمة الجارحة قد تهدم في لحظة ما تعجز سنوات من الاعتذار عن ترميمه.
وفي زمن تتسارع فيه الحياة، لا نطالب الناس بالعودة إلى تفاصيل الأمس كما كانت، ولا نجعل من الماضي صورة خالية من العيوب؛ المطلوب أن نحمل أجمل ما فيه إلى الحاضر، وأن نمنح أبناءنا فرصة الجمع بين المعرفة الحديثة والأصل الكريم، وبين الطموح الشخصي والإحساس بالآخرين. فالتقدم الذي يفصل الإنسان عن جذوره قد يمنحه أدوات أكثر، لكنه لا يضمن له قلباً أكثر اتساعاً . وما نحتاجه ليس جيلاً يحفظ أسماء العادات القديمة، بل جيلاً يفهم لماذا نشأت، وما الذي جعلها جديرة بالبقاء، وكيف تتجدد صورها من غير أن تفقد جوهرها.
ولشموخ وطن كلمة:
إن عظمة السودان لا تسكن في اتساع أرضه وحده، ولا في عراقة تاريخه فحسب؛ إنها تسكن أيضاً في إنسانه، في قدرته النبيلة على إكرام الضيف، ومواساة المكلوم، وإغاثة المحتاج، والوقوف إلى جانب من ضاقت به السبل. قد تتبدل أشكال البيوت، وتتغير ملامح المدن، وتطول المسافات بين الأجيال، لكن هناك أشياء ينبغي ألا تغادرنا: أن تبقى الرحمة أقوى من القسوة، وأن تظل الكرامة ميزان التعامل، وأن يجد كل طفل في بيته ما يجعله أكثر أماناً ، وكل كبير ما يؤكد أن سنوات عمره لم تُنسَ، وكل جار ما يشعره بأنه جزء من جماعة تعرفه ولا تتخلى عنه. فشموخ السودان يبدأ من إنسان يحسن معاملة الإنسان، ومن بيت يربي على المحبة، ومن مجتمع يعرف أن أعظم ما يورثه للأجيال ليس ما يملكه، بل ما يغرسه في النفوس من قيم لا يطويها الزمن. ذلك هو مجد الجذور؛ إرثٌ لا يُعرض في خزائن، وإنما يُرى في أخلاق الناس، ويكبر كلما وجد من يصونه.
