حسين خوجلي يكتب: نفثة المصدور لشعب صادقٍ وصبور .. برقية إلى أبرهة الحبشي الجديد وأبي رغال العربي المتصهين والسفاح السوداني الأجير

حسين خوجلي يكتب:

*نفثة المصدور لشعب صادقٍ وصبور*

*برقية إلى أبرهة الحبشي الجديد وأبي رغال العربي المتصهين والسفاح السوداني الأجير*

*ليل الخرطوم حيث تظلم البيوت وتضيء النفوس*

 

تُرى هل قرأ أبرهة الجديد آبي أحمد حكاية أبرهة القديم؟ فذاك نوى هدم الكعبة وهذا نوى هدم الخرطوم ومكة، فمكة بالمطلق والخرطوم بالنسبي هما مدينتان عند العرب والمسلمين محاطتان بفضائل الإيمان والحب والتقديس والتاريخ والبركة ونفائس الرجال .
صحيح أن التاريخ لا يتماثل ويتطابق وقع الحافر على الحافر، ولكن هناك الكثير من الرمزيات التي تتوافق وتُكثف المعاني والدلالات. ومن تلك الرمزيات أن أبرهة بن الأشرم قد بنى كنسية صنعاء وزاد فيها ليمنع الحجيج عن الكعبة، وبنى أبي أحمد سد النهضة ليمنع الماء عن أهل السودان وأهل مصر إلا بمقدار، طمعاً في بيعه لاحقاً كما يباع النفط حسب ما تقوله تصريحاتهم التي كانت سراً وأصبحت جهراً على قارعة الطريق.
ومثلما أن هنالك أبرهة الحبشي الأصيل في عداوته فهنالك عربي في معيته به لوثة من العمالة والخيانة والردة، يهديه ثقافة الطريق وأسرار الحملة الملعونة. نعم كان هنالك دائماً عربي على رأس النكبة على مر التاريخ إعانة للصليبية والصهيونية والمجوسية والإبراهيمية المحرفة (والمعنى واضح). كان دليل أبرهة العربي أبي رغال الذي هلك في منتصف الطريق صوب الكعبة وصار قبره مزاراً للعنة تُلقى عليه الحجارة ويمطره العرب والمسلمين من بعد بالسب والاحتقار والازدراء، بل دخل في صلب الأدب العربي معيناً على الهجاء والسباب والتعريض، فقد أورد جرير في هجائياته:
إذا ماتَ الفَرَزْدَقُ فارْجُمُوهُ
كَمَا تَرْمُونَ قَبْرَ (أَبي رِغَالِ)

ومن قبله استعمل ذات الرمز حساب بن ثابت:
إِذَا الثَّقَفِيُّ فَاخَرَكُمْ فَقُولُوا
هَلُمَّ فَعُدَّ شَأْنَ (أَبِي رِغَالِ)
أَبُوكُمْ أَخْبَثُ الْأَحْيَاءِ قِدْماً
وَأَنْتُمْ مُشْبِهُوهُ عَلَى مِثَالِ
ومن لطائف ما يحكيه التاريخ عن السبب الحقيقي للحملة أن أبرهة عندما أكمل بناء كنيسة صنعاء وجَمّلها بالحجارة الملونة والأعمدة المتصاعدة والذهب والفضة وفاخر الخشبيات والنقوش، أخزاه الله يوم افتتاحها فقد كان ينتوي بهذا الجمال المبهر في البناء أن يصرف العرب عن زيارة الكعبة التي كانت مقدسة عندهم في الجاهلية والإسلام. فقد دخل أعرابي من كنانة ولوثها ( ببراز عظيم) أزكمت رائحته أنوف أبرهة وكبار الأعيان، فكانت أغرب قشة قصمت ظهر البعير في التاريخ.
سار أبرهة كما هو معلوم بحملة عظيمة وجيش عرمرم يتقدمه فيل ضخم اسمه محمود (والاسم سالم) وعندما عبر الجيش وادي محسر وصار بين مزدلفة ومنى، برك محمود وامتنع عن الحركة حين وُجِه صوب الكعبة، وكان إذا وُجه نحو الشام أو اليمن ينهض ويستأنف المسير. وحاولوا معه مراراً وكان كل ماحدق في الكعبة برك. وهنالك مشهد خطير في هذه سيرة المستبدين والشعوب، مشهد عبد المطلب شيخ العرب في حضرة أبرهة الغازي فقد أقبل أبو طالب بإطلالته المهيبة وحضوره الطاغي وسمعته الطليقة في بلدان الأرض خاصة التي تعودت زيارة الكعبة، أقبل على أبرهة فاستقبله وكله آذان صاغية لسماع مطالبه فقدم طلباً استصغره أبرهة وسقط الرجل في عين الغازي اللعين فمما وثقته كتب التاريخ :
أنه حين دخل على أبرهة، وكان رجلًا وسيمًا قسمياً عظيمًا، أكرمه أبرهة ونزل عن سريره لكي يجلس معه سأله أبرهة عن حاجته، فطلب منه أن يرد إليه مائتي بعير (إبل) أخذها جيش الحبشة.تعجب أبرهة: صُدم أبرهة وقال له: (لقد كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدتُ فيك حين كلمتني! أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه لا تكلّمني فيه؟
فأجابه سيد قريش بكل ثقة وهدوء: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه ويحميه.
أمر أبرهة برد الإبل إليه، فخرج عبد المطلب وأمر أهل مكة بالتحصن في الجبال، ثم توجه إلى الكعبة ممسكًا بحلقتة بابها واستنصر بالله ودعاه أن يحمي بيته، حتى أرسل الله طيرًا أبابيل أهلكت جيش أبرهة. وكان قد أنشد أبياتاً شعرية بليغة وثقتها كتب السيرة (مثل سيرة ابن هشام)
لاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا مِحَالَكْ
وَأُنْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ
إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَقِبْلَتَنَا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَك
هذا هو مشهد الأرض عزيزي القارئ، أما مشهد السماء فهو نص كريم أورده القرآن العظيم فصارت آيات تتلي حتى يرث الله الأرض ومن عليها
بسم الله الرحمن الرحيم
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ (1) أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ (2) وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ (3) تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ (4) فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ (5 )}
وكان التقرير التاريخي المختصر الذي وصل عبد المطلب وأهل مكة بالشعاب أن الله أرسل عليهم جماعات من الطيور (طيرًا أبابيل) تحمل في مناقيرها وأرجلها حجارة صغيرة صلبة من طين متحجر (سجيل) كلما أصابت حصاة رجلاً من الجيش مزقت جسده وهلك، فتمزق الجيش وتحولوا إلى ما يشبه أوراق الشجر الجافة المأكولة (فجعلهم كعصف مأكول)
أما أبرهة فلم يمت فس ساعته في مكة، بل سقطت الحجارة عليه وأصابته بمرض جلدي وتسمم تسبب في تساقط لحمه قطعة قطعة وهو في طريق عودته، ولم يصل إلى دياره إلا وهو مثل فرخ الطائر المنتوف، وانصدع صدره ومات شر ميتة.
أما المشهد الأخير لأبي أحمد الحبشي أبرهة الجديد ودليله أبو رغال وصنيعتهم المجرم السفاح، فإنهم بعد أن شهدوا انتصارات الشعب السوداني المجاهد المبتلى وهو يستعيد أرضه شبراً شبراً ويُعقِم عاصمته ويحرر كردفان ويحدق صوب دارفور، بل يتقدم نحوها في ثبات أفزعهم المشهد التاريخي فنقلوا المعركة إلى حدودنا الشرقية مندفعين بالحقد الإثيوبي القديم صوب هذه البلاد الخيرة والثرية بالنعمة والرجال.
نعم لقد أفزعهم عودة الملايين إلى بلادهم والبدأ في تحريرها وتغييرها وتعميرها بعد أن ظنوا ظن الخيبة أن الملايين من هذا الشعب العظيم قد فر إلى الأبد إلى البعيد والمنافي. كان يظنون خاب فألهم أنهم سوف يزحفون من تشاد وليبيا حفتر غرباً ومن إثيوبيا شرقاً ومن الجنوب جنوباً والإمارات الجاحدة ترفدهم من الأقاصي و من وراء البحار بالمال والمرتزقة والسلاح، وشراء القرارات الدولية بِكِراء القيادات الجُوف ليقتسموا نيلنا وأرضنا وذهبنا وأمجادنا بقائمة مواريث أعدها الشيطان وباركتها الإمبريالية الجديدة والشركات المتعددة الجنسيات.
ولأن الجيش والشعب والمقاومة الشعبية قد اسقطت المؤامرة على رؤوس الأشهاد بصدورعارية وسواعد فتية وإرادة غلابة لا تعرف المستحيل، هنا نثروا كنانتهم وأخرجوا من قلبها سهامهم المسمومة، وبدأ الظلاميون حملة إظلام السودان حتى يتسللوا إليه كالخفافيش طفقوا في مخطط ضرب كل مصادر الطاقة في بلادنا فبدؤوا في الخرطوم فنالوا محطة المرخيات فأظلمت البيوت وأضاء الناس ، وقصفوا هيا بولاية البحر الأحمر مستهدفين محطة الوقود الرئيسية والخط الناقل للنفط ،فستعد أحفاد البطل عثمان دقنة للمواجهة.
وقصفوا المناقل وخرجت الجماهير يقيناً كالمشاعل، وقصفوا الدمازين الحدث الحمراء فانشد المتنبي الملتزم الجديد في ساحتها الوضيئة غير مبالياً بالعواصف والرياح ومُسيَّرات السوء
طَريدَةُ دَهرٍ ساقَها فَرَدَدتَها
عَلى الدينِ بِالخَطِّيِّ وَالدَهرُ راغِمُ
تُفيتُ اللَيالي كُلَّ شَيءٍ أَخَذتَهُ
وَهُنَّ لِما يَأخُذنَ مِنكَ غَوارِمُ
إِذا كانَ ما تَنويهِ فِعلاً مُضارِعاً
مَضى قَبلَ أَن تُلقى عَلَيهِ الجَوازِمُ
أما الرسالة الأخيرة والإنذار المتجدد لأبرهة الجديد المغبون وأبو رغال العربي المتصهين المفتون والسفاح الأجير المأفون، فإننا نقولها هتافاً داوياً ورصيناً :
إن الشعب السوداني الذي عُرف بقهر الظلام ودحر الظلاميين والاستماته على المكارم والمبادئ مؤمنا وسداد الثغور، يظل الموت عنده شهادة والجراح عنده شلالات من الضياء، والصبر والمصابره عندهم موهبة ومعالمٌ على الطريق. وما حاول غادر وغاصب وخائن وعميل أن يذل هذه الجماهير المؤمنة ويصادر أرضها وكبرياءها إلا صار نهباً للخزي والهزيمة وأشلاء متأسنة في مزبلة التاريخ.
وكيف يأمل هؤلاء الغادرون في امتلاك هذه الأرض واستعباد هذا الشعب وتمزيق هذا التاريخ الشامخ وقد وقف خطيبهم الفتى الأسمر المُفدّى على صخرة مقرن النيلين مرتكزاً على بندقيته ومستعصماً بيقينه وواثقاً بنصر ربه و تلياً بصوته الراعد الفياض الرخيم وبلسان عربي مبين قوله تعالى:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين(141)}
ويزهر بالحديث النبوي الشريف من رواية تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم(ليبلغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ وأهلَه وذلًّا يذلُّ اللهُ به الكفرَ).
ويحرك شجون الملايين بأبيات شاعر الكبرياء العباسي الذي قال عنه يوماً البروفيسور الحبر نور الدائم في زهو سوداني رصين ( والله لولا سطوة الإعلام وشهرة الكنانة فإن العباسي أشعر من حافظ وشوقي والجارم).
ألقَى بِصَبْري جِسَامَ الحادثاتِ ولي
عزمٌ أصُدُّ بِهِ مَا قَدْ يُلاقيني
وَلَسْتُ أرضَى مِنَ الدُّنيا وإن عظُمَتْ
إلاّ الذي بِجَميلِ الذِّكْرِ يُرْضِيني
وكيف أقْبَلُ أسْبَابَ الهَوَانِ ولِي
آباءُ صِدْقٍ من الغُرِّ المَيَامِينِ
النّازلينَ على حُكْمِ العُلا أَبَدَاً
مَن زيَّنُوا الكَوْنَ مِنْهم أيَّ تزْيينِ

رُفعت الأقلام وجفت الصحف.