
إبراهيم عيسى هدل يكتب: هزمنا سماسرة السوق الأسود
وقفات
إبراهيم عيسى هدل
هزمنا سماسرة السوق الأسود
عجزت الحكومات الوطنية منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي عن معالجة الأزمات الاقتصادية المزمنة، فاختار انقلاب 25 مايو 1969م المنهج والحلول الاشتراكية القائمة على هيمنة القطاع العام على الاقتصاد الوطني، بتنفيذ سياسة التأميم والمصادرة، ثم تراجع عنها ليسلك طريق التنمية الرأسمالية، وأدت سياساته المتقلبة إلى هجرة رأس المال الوطني، ودخلت السوق طبقة من الرأسمالية الطفيلية المعتمدة على سطوة الدولة في تحقيق مكاسب وأرباح سريعة وطائلة، وذلك باستيراد السلع الكمالية، وإشاعة نمط الحياة الاستهلاكية وتوسيع نطاقها في المجتمع لتشمل الريف، مما أدى إلى إضعاف الإنتاج المحلي وكساد سلعه، بالاعتماد الكامل على استيراد كل شيء من الخارج، من الإبرة إلى الصاروخ.
بذلت الدولة محاولات لإعادة هيكلة الاقتصاد وكبح جماح نشاط التجارة الطفيلية إبان الديمقراطية الثالثة، ولم تفلح سياسات وإجراءات وزير التجارة الراحل د. محمد يوسف أبوحريرة في معالجة تشوهات اقتصاد العهد المايوي، ودخل حينها في سجال بالجمعية التأسيسية “البرلمان” مع وزراء حزب الأمة في الحكومة الائتلافية برئاسة السيد الصادق المهدي، مما أدى إلى حل الحكومة من أجل إقالة وزير واحد، فلم يرق للطفيليين بالحزبين الكبيرين “الأمة والاتحادي” استمرار أبوحريرة بالوزارة، وجاءت الطامة الكبرى حينما اعترف رئيس الوزراء الراحل بهزيمة تجار السوق الأسود لحكومته المنتخبة.
كانت سياسات التمكين في عهد الإنقاذ وبالاً على الاقتصاد، لا سيما في عشرية الإنقاذ الأولى، حين أعلن وزير المالية وقتها عبدالرحيم حمدي سياسة التحرير، واستخدم الاقتصاد وسيلةً للقمع والقهر السياسي، فصارت للفساد دولة، وللتجار الطفيليين صولة وجولة، وبرز أثرياء من محدثي النعمة تقفز ثرواتهم كالقفز بالزانة، فبين ليلة وضحاها ينتقل الشاب واليافع من مناصري الحزب الحاكم من فئة المعدمين إلى طبقة الأغنياء والمترفين، وذلك بدعم من أحد أقاربه المسؤولين النافذين والمتمكنين في الدولة، وهذا الفساد المالي والإداري تداولته أجهزة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في اجتماعاتها ومجالسها الخاصة، وتسرب بعضها إلى الإعلام بعد سقوط النظام، وما وجدت الإنقاذ من يردع الفساد والمفسدين.
لقد ظلت أزمات الوقود والغاز والخبز والسكر والمواد التموينية الأساسية، بالإضافة إلى خدمات المياه والكهرباء، تؤرق الحكومات المتعاقبة، بعد أن تمكنت مافيا السوق الأسود، وابتُكر لها اسم دلع جديد “السوق الموازي”، واستغلت أزمات المواطن وعدم توفير السلع والخدمات الضرورية فرصةً للثراء الحرام، ويسند هذه المافيا هوامير تصدير وتهريب الذهب، وتجار العملة الذين احتكروا العملات الصعبة، واستولوا على تحويلات المغتربين بالخارج بعيداً عن أعين ورقابة الجهاز المصرفي، فأثروا على حساب المواطن المغلوب على أمره والمكتوي بنيران الندرة المفتعلة والغلاء الفاحش على مدى أكثر من خمسين عاماً، وهناك مافيا سماسرة سوق العقار التي جعلت عقارات الخرطوم تضاهي مثيلاتها في الدول الغنية، فشراء منزل بالعاصمة المثلثة يفوق سعره بيوت العاصمة البريطانية لندن، وإيجار الشقة بالسودان أغلى من إيجار الشقق السكنية بالقاهرة ومكة المكرمة! وهذا ما جعل سماسرة العقار من أثرياء الحرب، باستغلال حاجات النازحين واللاجئين للسكنى والإيواء.
وما لم يخرج السماسرة بجلابيبهم وعمائمهم ناصعة البياض من السوق، من خلال وضع تدابير صارمة من الدولة لمحاربة الأنشطة الطفيلية، وكسر حلقات الوسطاء بين المنتج والمستهلك، وذلك بتسعير المنتجات السودانية، ومراقبة الأسواق رقابة محكمة، ومنع احتكار السلع والخدمات، بالإضافة إلى رفع الجبايات المتعددة المفروضة بالولايات والمحليات، ستبقى حالة الفوضى العارمة سارية، وسيظل الاقتصاد متعثراً، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فالأزمة الأساسية أزمة نفوس جشعة لا تعرف الشبع أبداً، وليست أزمة فلوس.
