أبوذر عوض الكريم يكتب: الجوار المستباح

شموخ وطن

أبوذر عوض الكريم أحمد

الجوار المستباح

بلغت تجاوزات حكومة أبي أحمد مبلغاً لا يمكن معه التعامل مع ما يجري على حدودنا الشرقية باعتباره مجرد تطورات عسكرية عابرة. فالمسيرات التي تضرب منشآتنا الحيوية، ومحاولات تعطيل محطات الكهرباء والمياه، وما انكشف عن معسكرات مليشيا آل دقلو في إقليم بني شنقول قمز، كلها شواهد على أن أديس أبابا لم تعد بعيدة عن العدوان الذي يستهدف السودان.
لم تعد المسألة مجرد تسهيلات عابرة أو علاقات تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية. نحن أمام مشهد تتداخل فيه حسابات أبوظبي مع تحركات حكومة أبي أحمد، وتُستخدم فيه الجغرافيا الإثيوبية لخدمة مشروع يستهدف أمننا واستقرارنا. وما كشفته التحقيقات الصحفية الدولية بشأن معسكر تدريب عناصر مليشيا آل دقلو في بني شنقول قمز، وما أوردته عن التمويل والإسناد الإماراتي، يفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة عن طبيعة الدور الذي اختارت أديس أبابا أن تلعبه في هذه الحرب.
دويلة الإمارات لم تكتفِ، وفق ما تناولته التحقيقات والتقارير، بتوفير الدعم للمليشيا، بل بات اسمها حاضراً في مسارات الإمداد والتجهيز والتسهيلات التي تطيل أمد العدوان. أما أبي أحمد، فقد وضع بلاده في موضع لا يليق بتاريخ العلاقة مع السودان، وفتح المجال لنفوذ أبوظبي حتى أصبحت المصالح الإماراتية حاضرة في ترتيبات تمس أمننا القومي. والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا جنت إثيوبيا من هذا الارتهان؟ وأي مصلحة لشعبها في أن تتحول أراضيه إلى ساحة لخدمة مشروع يستهدف جاراً تربطه به حدود ومصالح وتاريخ طويل؟
الأخطر أن استهداف البنية التحتية لم يعد مجرد أضرار جانبية في حسابات الحرب. محطة الكهرباء التي تُضرب تعني أسراً بلا ضوء، ومستشفيات تواجه صعوبات إضافية، ومرافق تتعطل، وأعمالاً تتوقف. ومحطة المياه ليست هدفاً بلا حياة؛ وراءها أحياء كاملة وأطفال وأمهات ومرضى. ومن يتعمد ضرب هذه المنشآت لا يستهدف حجارة ومعدات، بل يضرب تفاصيل الحياة اليومية، ويحاول أن يجعل معاناة الناس سلاحاً إضافياً في هذه الحرب.
وما ينبغي أن تدركه أديس أبابا أن السودان ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأن حدودنا ليست ممراً آمناً لمن يريد استهداف مدننا ومنشآتنا. لقد عرفنا الجوار الإثيوبي عبر سنوات طويلة، وكانت بين الشعبين مصالح وروابط اجتماعية وتجارية، لكن تلك الروابط لا تمنح حكومة أبي أحمد حق العبث بأمننا، ولا تفرض علينا الصمت أمام ما يجري. احترام الشعوب شيء، ومحاسبة الحكومات على سياساتها شيء آخر.
ومن هنا، فإن الاكتفاء ببيانات الشجب والاستدعاءات الدبلوماسية لم يعد كافياً. إن قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا وطرد سفيرها من الخرطوم موقف ينبغي أن يكون مطروحاً بجدية، إذا استمرت الوقائع التي تكشف تورط أراضيها في العدوان على السودان. فالعلاقات الخارجية لا تُدار بالمجاملة، ولا يجوز أن تبقى أبواب الدبلوماسية مفتوحة بالقدر الذي تُترك فيه أبواب العدوان مشرعة. للدولة حقها في حماية أمنها، ولها أن تراجع علاقاتها مع أي جهة تجعل من أراضيها منطلقاً لاستهداف منشآتنا ومواطنينا.
إن أخطر ما في هذا المشهد أن دويلة الإمارات تراهن على إطالة أمد الحرب، بينما تجد في بعض المواقف الإقليمية غطاءً لتوسيع حركتها. لكن حسابات المال والنفوذ لا تستطيع أن تصنع شرعية للعدوان، ولا أن تمنح المليشيا ما عجزت عن انتزاعه من إرادة السودانيين. وستظل محاولات استنزاف الدولة ومؤسساتها تصطدم بحقيقة أن للسودان شعباً لا يقبل الوصاية، وقوات مسلحة تدافع عن سيادته، وذاكرة لا تنسى من وقف معه ومن اختار أن يكون جزءاً من محنته.

ولشموخ وطن كلمة:

لسنا دعاة خصومة مع الشعوب، ولا نبحث عن عداوات مفتوحة مع الجيران، لكننا أيضاً لسنا ممن يساومون على أمنهم وكرامتهم. من أراد جواراً آمناً فليحفظ حرمة الحدود، ومن أراد علاقات مستقرة فليحترم سيادة السودان. أما أن تُفتح الأراضي لمعسكرات المليشيا، وتُستخدم المواقع في خدمة العدوان، ثم يُطلب منا أن نواصل المجاملة، فذلك ما لا يستقيم. فالسيادة لا تُصان بالمواقف الرمادية، والجوار لا يبقى جميلاً إذا صار بوابة للغدر.