
د. عمر كابو يكتب: رحيل خمس منارات سامقات
ويبقى الود
د. عمر كابو
رحيل خمس منارات سامقات
عوض عبدالقادر .. ابن عمر .. على عبدالرحمن .. أمنا سعاد الطيب والزعيمة سعدية كساب
** حاشا لله ماكان لقلب حزين كسير الخاطر كسيف البال لرحيل من هم في مثل صفاء ونقاء وبراءة وعفاف:— أمنا أم محمد سعاد الطيب وابن عمر وعوض عبدالقادر وعلى عبدالرحمن محمد عيسى أن تطاوعه الحروف طيعة كتابة عن رحيلهم الفجيعة الصادم المر فهم أفخر من كلماتنا أنبل من كل الأشعار.
** أشهد الله العظيم غالبتني الحروف.. تأبت على وأنا الذي أجاري الحرف نبضه والقلم وصله والكلمة رشاقتها والعبارة أناقتها وعنفوانها المثير .. فإن تأخرت فقط لأن الحروف استعصت علىّ أن تطاول قاماتهم السامقة ومنزلتهم الرفيعة ومكانتهم العالية تلك معذرتنا لله تعالى نرجو منه صفحًا وغفرانًا:
**ابن عمر: أديب سياسي عرفته المنابر خطيبًا مفوهًا، وأديبًا شاعرًا، وقاموسًا متحركًا، لم تكن السياسة عنده لعبة كراسي بل مثلت أدبًا والتزامًا وفكرًا وموقفًا.
عاش بقلب يضع مبضعه على الجرح بصدق لا يعرف النفاق والخداع، عاش طاهر اليد، عامر الوجدان، عفيف اللسان.. إذا اعتلى المنبر سكتت الجلبة وتعلقت به القلوب قبل الوجدان فقد امتلك من سحر البيان ما جعل الباطل يرتجف.. ومن الفصاحة ما يسمو بالحق. يطاول المدى فيعلو.. لا يتلعثم، لا يلحن، لا يتمحل، لا يستجدي العبارات.
فقد أدى أبو الحروف أمانته وبلغ رسالته شعرًا ونثرًا وصدقًا وكلمات، مخلفًا ذكرى شاهدة له بأنه قد مر من هنا.
** دكتور على عبد الرحمن محمد عيسى: رمز القضارف، فتاها البار، ابن البيت الكبير، شرفت به طبيبًا ماهرًا وسياسيًا صادقًا ووزيرًا حاذقًا.
عملنا سويًا فعرفته عن كثب وزيرًا بلقبه وبفعله يعالج الروح بحكمة وشجاعة ويطبب القلب بصراحة واعتدال.
حول وزارة الصحة في نهر النيل ثم القضارف إلى وزارة رحمة وإنسانية وأخلاق.
عاش كبيرًا بتواضعه، عظيمًا بعلمه،، خالدًا بعطائه، مخلصًا في بذله وكده وتجرده.
رجل بهذا الصدق والإخلاص والنزاهة كان لابد أن ينتهى به المقام مجاورًا للصحابة في البقيع رضي الله تعالي عنهم وعنه فهو أحق بالثناء والدعاء.
تعازينا القلبية الصادقة لأهلنا في القضارف عامة وأم شجرة خاصة فهو جد فقد جلل.
** عوض عبدالقادر: يا الله من رحيله الأليم، جمرة في القلب حارق لظاها، رجل يمر عليك كنسمة ودعاش ورياحين.
رحل هذا الوضيء الذي لم نعرفه إلا بوجهه الصبوح الطلق.. يفتر عن ابتسامة وديعة ضحوك يفردها في وجه الجميع بلا استثناء هي بمثابة جواز سفر إلى قلوب الناس ماهرة توقيعه قبل أن يوقع.
إداري من طراز فريد، طراز لا تصنعه الجامعات ولا تمنحه الدورات.
يرفض التطاول والتعطيل والتسويف فقد عهدناه مبذولًا للجميع يسارع في قضاء حوائج الناس لا يتلذذ بكلمة (راجعنا بكرة). ندخل عليه مكبلين بالقلق نحمل معاناة التكليف والواجب العام فنجد فيه وجهًا طلقًا بشوشًا يبتسم قبل أن تتكلم لينتهي بك الأمر معه إلى خلاصة مفادها: (أبشر، اعتبرها انتهت) فتخرج وقد رسخ في ذهنك نموذج لأخ قرر أن يحمل الهم عنك.
والله العظيم لقد وسعنا عوض عبدالقادر ببشاشة وجهه.. بشاشة في الزمن العبوس بإذن الله ستكون له جبلًا من صدقات أليس تبسمنا في وجه الآخرين صدقة؟!.
هو إذن عوض عبدالقادر الذي عاشرناه فصادقناه فأحببناه.
كلمة أخيرة: لا أعلم رجلًا صبر على الابتلاء والمرض وقابل ذلك باحتساب ومصابرة وجلد مثل شقيقي عوض عبدالقادر..
تعازينا الحارة إلى شقيقه الأكبر سعادة السفير الدكتور العالم محمد خير عبدالقادر صاحب الاسهام الأكبر في جامعة الدول العربية.
** سعاد الطيب أمي من بعد أمي: دوحة الندى والكرم، نقية لا نعرف قلبًا أنقى من قلبها، فؤاد لا يعرف الحقد، لم يساكنه الحسد..
عاشت ترى الخير في الجميع تتمناه لهم.. طاهرة اليد واللسان والسيرة.. مستورة مصونة، نجمة بعيدة بعيدة لا تطالها الأيدي ولا تلوثها الألسن.. جبارة للخواطر إن مرت فقد تركت عطرًا من عفة.. سخية ليس سخاء عطية فحسب إنما سخاء روح: يد ممدودة قبل أن تسأل، وباب مفتوح قبل أن يطرق، تعطي بلا من وتكرم من غير انتظار..
كم جائع أطعمت وكم من عار كست وكم من محتاج أغنت وكم من عائب سترت وكم من مكسور جبرت؟.
أعطت في الخفاء فاظهره الله للعلن أثرًا باقيًا..
يا (حليلك) برحيلك فقدت حوش الدار سيدة عظيمة برحيلها غاب شيء في بيوتنا ودعوة صادقة في جوف الليل خرجت من قلبها فحرست الجميع وهم نيام..
رحلت أم محمد بعد أن تركت ميراثًا من الجود والكرم عميدة لكل القلوب..
تعازينا الحارة لأبنائها الأحباب فلذات كبدها: مهندس محمد عبدالماجد الصادق وكيل وزارة الاتصالات ونائب مدير إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السابق وأشقائه مهندس خالد عبدالماجد مدير صندوق الاسكان ولاية الخرطوم السابق ومهندس أيوب ركن أساسي من أركان منظومة الدفاعات الصناعية ودكتور معاوية ومهندس زهير والعزيز بهاء الدين والأهل والعشيرة في حوش الدار والدكة بالحبيبة بربر.
** سعدية اسماعيل سليمان كساب: خيار سيدات القضارف وأجلهن قدرًا، وأكرمهن يدًا وأطهرهن قلبًا، وأحناهن على الجميع.
لم تسد كما تسود السيدات مالًا ونفوذًا إنما اختارت أن تتربع سيدة للموقف الرزينة والكلمة الطيبة الأصيلة، سيدة الفعل الجميل.
فقدها مس كل شيء: الجار الذي كانت تكرمه والعنقريب الذي كانت ترقد عليه والقريب الذي تتفقده، فكم من أسرة بفقدها أمست يتيمة.
تيتمت القضارف بعد أن فقدت الحنان الذي بلا مقابل، وريحة الطيبة وهي التي عاشت للناس كل الناس أمًا لأشقائها التي آثرتهم على نفسها حتى خرجتهم رجالًا لهم في كل بيت من بيوت القضارف أثرًا من علم ومعرفة ودراية.
من من أهل القضارف لم يتعلم على يد أساتذتنا الكبار السلاوي وكمال وعبدالمنعم كساب؟. من من أهل القضارف لا يعترف بمهارة الخواض كساب أصلب وأمهر مدافع أنجبته الملاعب هناك؟!.
فإن ذكرت العلم والمعرفة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم برز مولانا العالم محمد عروة اسماعيل القاضي والمحامي.
وبالطبع مهندس خالد كساب الصوفي الذي ترك سلاح الجو وهام سائحًا متبتلًا في محراب التصوف الإسلامي.
وهناك سليمان صاحب الابتسامة المشرقة والوجدان السليم رحل من رحل وبقى من بقي منهم ،، تحدثك خصالهم السمحة عن إمراة وهبت كل شبابها لأجل أخوانها ربتهم وأحسنت إليهم فكانت لهم أما حنونة شاركت والدتها أمنا الحبيبة الجاز (بت) سلو الهم والتربية والاحسان إليهم مثلما اعتنت بأبنائها الفضلاء النبلاء.
سعدية إمراة قل أن يجود الزمان بمثلها ثانية رحلت وتركت في القلب حزنًا لم أعهده على صفي القلب مولانا محمد عروة اسماعيل مثل الذي رأيت في يوم عروجها إلى الدار الأخيرة يقيننا في الله أن يكرم نزلها جوارًا إلى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي آمنت به وصدقته وصلت عليه صلاة محبة له.
تعازينا لأبنائها الأحباب معتصم وأخوانه.
** آنس الله وحشتهم جميعا ورحم غربتهم وقبل حسناتهم..
نعزي أنفسنا وذويهم في فقدهم الجلل، إنا لله وإنا إليه راجعون.
