عثمان ميرغني: الحوار السوداني – السوداني فرصة تاريخية لصناعة دولة جديدة

عضو لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني عثمان ميرغني لـ (ألوان):

الحوار السوداني – السوداني فرصة تاريخية لصناعة دولة جديدة

وحدة السودان خط أحمر ولا مجال للمساومة على بقائه موحداً

رئيس مجلس السيادة قدم ضمانات بتنفيذ مخرجات الحوار

لا مكان لتحالف «تأسيس» في الحوار ما لم يقطع صلته بالمشروع الذي يهدد وحدة البلاد.

المطلوب ضمانات سياسية وقانونية تتيح مشاركة القوى المعارضة دون خوف أو استهداف

 

 

حوار: مجدي العجب

في وقت مختلف من تاريخ السودان، تتجدد الآمال في أن يشكل الحوار السوداني – السوداني مدخلاً لمعالجة الأزمات المزمنة واستعادة الاستقرار، وإعادة بناء الدولة على أسس وطنية راسخة. وفي حوار مع صحيفة «ألوان»، أكد باشمهندس عثمان ميرغني، عضو لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني، أن المبادرة تمثل فرصة تاريخية أمام القوى السياسية والمجتمعية للتوافق على حلول عملية تنفذها الدولة. وأوضح أن اللجنة تعمل على تهيئة المناخ وتقريب وجهات النظر تمهيداً لانعقاد المؤتمر، كاشفاً عن ضمانات قدمها رئيس مجلس السيادة لتنفيذ مخرجات الحوار، ومتحدثاً عن فرص الدعم الدولي وجذور الأزمة السودانية ومسؤولية النخب السياسية في صناعة المستقبل. وأعرب ميرغني عن تفاؤله بإمكانية إحداث تغيير حقيقي في مسار الدولة السودانية.

 

 

 

طبيعة عمل هذه اللجنة، وما الذي تسعى إلى تحقيقه؟

 

لجنة تهيئة الحوار السوداني مهمتها تهيئة المناخ والبيئة المناسبة لعقد مؤتمر يجمع المكونات السياسية والمجتمعية، وجميع مكونات الدولة السودانية ذات الصلة بالعمل العام، حتى تتمكن من طرح أفكار يمكن البناء عليها في إعادة ترسيم الدولة السودانية ومعالجة المشكلات المزمنة، من جذورها.
فالمشكلات التي تمر بها الدولة السودانية من حين إلى آخر متشعبة وعميقة، ولها جذور في تاريخ السودان، وظلت مستمرة عبر الحقب والعصور السياسية. تتغير أشكالها، لكن تظل جذورها وتداعياتها قائمة كما هي. لذلك لا بد من مخاطبة هذه الجذور ومعالجة المشكلات بصورة دائمة، حتى ينعم الشعب السوداني والدولة السودانية بالاستقرار.

 

وما المتوقع؟

 

أتوقع أن ينحصر محور عمل اللجنة في هذه المرحلة في التواصل والتشاور مع الأطراف السياسية والمجتمعية، للوصول إلى منصة مشتركة أو قواسم مشتركة بين هذه الأطراف، تمهيداً لبدء جلسات مؤتمر الحوار السوداني_ السوداني.

 

وما هي المواعيد المضروبة؟

 

هذه التفاصيل المتعلقة بأجندة المؤتمر، وموعد انعقاده وانتهائه، فتُترك للمتحاورين أنفسهم، فهم الذين يقررون هذه التفاصيل ويستكملون بقية الترتيبات.

 

حدثنا عن طبيعة تكوين هذه اللجنة؟

 

أولاً، اللجنة ذاتية التكوين، وهي مبادرة ليست صادرة عن الحكومة، كما يتوقع البعض أو يشيع. بدأت المبادرة بمجموعة صغيرة، مكونة من أربعة أفراد فقط، بعد أن توافرت لديهم القناعة بأن هناك شروطاً يمكن أن تساعد على نجاح عملية التهيئة، ومن ثم نجاح مؤتمر الحوار السوداني.

ثم ماذا؟

 

وبعد ذلك بدأت المجموعة الصغيرة في اختيار شخصيات أخرى من داخلها، بصورة متتابعة؛ حيث تُضاف شخصيتان أو ثلاث أو أربع شخصيات، ثم تصبح المجموعة الجديدة نفسها لجنة تختار بقية الأعضاء، وهكذا يستمر نمو اللجنة. وحتى الآن، أُضيفت إليها شخصيات جديدة خلال الفترة الأخيرة، باختيار من الأعضاء السابقين. وبالتالي، فهي لجنة ذاتية التكوين، وليس فيها أي عنصر خارجي.
وأستطيع أن أؤكد أن معظم الشخصيات الموجودة فيها، إن لم تكن جميعها، جرى اختيارها بناءً على تجاربها وقدراتها. فكل طرف لديه زاوية معينة يمكن أن يساهم من خلالها، وليس هناك إنسان كامل يستطيع المشاركة في كل شيء، لكن هناك أطرافاً لديها قدرات في جوانب معينة، وأطرافاً أخرى متخصصة في مجالات مختلفة. وعلى هذا الأساس جرى اختيار الأعضاء.
لكن، في تقديري، أرى دائماً أن التركيز على اللجنة وأعضائها ليس مفيداً بالقدر المطلوب. وأقول لشبابنا الصحفيين الموجودين معنا في اللجنة الإعلامية إننا لا نريد أن ينصب الاهتمام على اللجنة نفسها؛ لأن مهمتها محدودة من حيث المدى الزمني وطبيعة العمل، فهي مكلفة فقط بتهيئة المناخ.
لذلك، فإن تشكيل اللجنة لا ينبغي أن يكون محور الاهتمام، سواء كان عدد أعضائها شخصاً أو اثنين أو ثلاثة أو مئة. المهم هو إنجاز المهمة الموكلة إليها، وهي تهيئة المناخ لقيام مؤتمر الحوار السوداني.
إذا فشلت اللجنة في هذه المهمة، فلن يكون لعدد أعضائها أو طبيعة الشخصيات الموجودة فيها أي تأثير حقيقي؛ لأن المطلوب في النهاية هو قيام المؤتمر، وليس استمرار اللجنة.

 

هل يسير العمل بالسرعة المطلوبة؟

نعم هذه هي القضايا التي يجب أن نركز عليها، وهي أيضاً محور اجتماعاتنا نحن أعضاء اللجنة. يجب رفع وتيرة العمل وإنجاز المهمة في أقصر وقت ممكن، حتى ننتقل إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة التحضير للمؤتمر، ثم انعقاد المؤتمر نفسه.
فهذه المراحل هي التي ستؤثر في النتائج النهائية التي يمكن أن تسهم في بناء دولة سودانية جديدة، وتغيير الواقع الذي نعيشه ومعالجة المشكلات القائمة.
وبدلاً من التركيز على مسألة التمثيل، سواء كان تمثيل الفئات أو التمثيل الجغرافي، ينبغي أن نسأل: ما المهمة الحقيقية للجنة؟ إنها تهيئة المناخ للمؤتمر، لا اتخاذ القرارات أو إجراء التصويت.
لا توجد قرارات أو عمليات تصويت داخل لجنة التهيئة؛ فهي تقوم بمجرد المشاورات مع الأطراف السياسية من أجل الاتفاق على عقد المؤتمر.
ومن الحكمة أن نركز على مهمة اللجنة، وليس على أعضائها، رغم أن الأعضاء يمثلون عنصراً مهماً في نجاحها. لكن لضيق الوقت ومحدودية المهمة، يجب أن يكون التركيز على إنجازها بأسرع ما يمكن، ثم الانسحاب من المشهد وترك المهمة التالية، وهي التحضير للمؤتمر، لأصحابها.

 

موقف اللجنة من تحالف تأسيس ومشاركة الأطراف السياسية؟

 

هناك أيضاً لبس فيما يتعلق بطبيعة الحوار نفسه، وما إذا كان مطلوباً من اللجنة تقديم ضمانات مكتملة من للدولة للجهات الأخرى. كما يدور حديث حول إمكانية أن تتحاور اللجنة مع الطرف الذي شن الحرب على الدولة، باعتباره (تأسيس) الذراع السياسي لمليشيا الجنجويد. هذا ما نتابعه في الوسائط والمنصات المختلفة.

 

كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟

 

اللجنة لا تنطلق من فراغ، وإنما تستند منذ يومها الأول إلى وثيقة تتضمن المبادئ الوطنية التي تعتمد عليها. فلا يمكن أن ندعو إلى الحوار من أجل الحوار فقط، دون التأكيد على المبادئ والثوابت الوطنية.
أول هذه المبادئ هو وحدة السودان. وقد أوضحنا ذلك بعبارة صريحة في الورقة المرجعية التي أعددناها، وهي أن وحدة السودان ليست مطروحة للنقاش في الحوار، وليست بنداً من بنوده، بل هي خارج نطاق الحوار تماماً.
وبالتالي، فإن أي طرف يتورط في عمل أو فعل يمكن تفسيره في نهاية الأمر بأنه دعوة إلى تقسيم السودان، لا يمكن أن يكون جزءاً من الحوار.
ومن هذا المنطلق، فإن تحالف تأسيس، الذي أنشأ دولة موازية وحكومة موازية ومؤسسات موازية، ويدعو بصورة صريحة وعملية إلى ما يشبه تقسيم الدولة على أساس جغرافي أو إقامة دولتين، يتعارض بصورة مباشرة مع الثوابت التي تعمل عليها اللجنة.
ومن غير الوارد إطلاقاً أن يكون هذا الأمر جزءاً من الحوار أو حتى أن يُناقش؛ لأنه يمثل خطاً أحمر غير قابل للنقاش.
لكن، في المقابل، فإن أي طرف موجود داخل تحالف تأسيس يخرج من هذا التحالف ويتبرأ منه، ويُبدي رغبته في المشاركة في الحوار السوداني، سيكون مرحباً به، بشرط أن يقطع صلته بصورة كاملة مع تحالف تأسيس، وألا تكون له أي علاقة بهذا التحالف. عندها يمكن الترحيب به في مؤتمر الحوار السوداني.

 

الضمانات المتاحة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في المؤتمر؟

 

هذا سؤال مهم، ويطرحه معظم الأطراف السياسية التي نتواصل معها ونتشاور بشأن المؤتمر.
ورغم أن هذه المسألة تأتي في مرحلة لاحقة، أي بعد اكتمال المؤتمر، عندما تبدأ عملية تنفيذ مخرجاته، فإننا، من باب تهيئة الأجواء، نوضح أننا حصلنا على ضمانات من رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بأن كل ما يتم الاتفاق عليه وتصدر به قرارات المؤتمر سيتم الالتزام به وتنفيذه حرفياً، دون أي تردد.
وبالتالي، فإن الكرة أصبحت في ملعب المجموعات السياسية.

 

هل يعني ذلك أن التفويض الممنوح للمؤتمر تفويضا مطلقا؟

 

أعتقد، في تقديري، أنه تفويض مطلق. فقد عقدنا أكثر من جلسة مع السيد رئيس مجلس السيادة، وليس لدينا أي شك في التزامه الكامل بتنفيذ جميع مخرجات هذا المؤتمر.
ويبقى المحك الحقيقي في قدرة الأطراف السياسية على التحلي بأمرين: القدرة على إنتاج الحلول، والقدرة على صناعة حلول عملية.
فعندما أقول لك إن من حقك اتخاذ أي قرارات، وإن الدولة والحكومة تلتزمان بتنفيذ كل ما يصدر عن المؤتمر، فهذا يعني أنك تتحمل مسؤولية إنتاج حلول حقيقية وعملية، وأن تكون مدركاً في الوقت نفسه أن هذه الحلول قابلة للتنفيذ.
هناك مقولة تقول: «إذا أردت أن تكون مطاعاً، فاطلب المستطاع». والمقصود أن تكون الطلبات معقولة، وألا تتضمن مطالب يمكن أن تؤدي إلى انهيار الدولة نفسها.
لا يمكن أن تصدر فجأة قرارات تؤدي إلى تغيير كل شيء في الدولة بصورة قد تقود إلى انهيارها. يجب أن تكون هناك درجة من المنطق والواقعية. فالدولة كيان ضخم يتكون من شعب وأرض وسلطة، وصناعة الحلول الحقيقية تتطلب إحداث تغيير جذري ومؤثر في الدولة السودانية، لكن بصورة عملية وقابلة للاستمرار. وهذا يتطلب من القوى السياسية أن تكون لديها قدرات فنية وخبرات متخصصة في صناعة الحلول. فالحلول لا تأتي بالأمنيات أو الشعارات وحدها، بل لا بد من امتلاك القدرة الفنية على وضع الحلول المناسبة. وأرى أن هذه فرصة نادرة؛ لأن الشخص الذي يمسك بالسلطة والقرار الآن يقول لك: اطلب ما تريد، وسيتم تنفيذ كل ما تتفقون عليه. وبالتالي، أصبحت أمام القوى السياسية مسؤولية تاريخية تتمثل في محاولة تغيير الواقع وصناعة دولة بصورة منطقية وقابلة للاستدامة، وبما يترك أثراً عملياً حقيقياً في حياة الناس.
وأعتقد أن بإمكان القوى السياسية الآن أن تغير مسار التاريخ السوداني تغييراً كاملاً، وأن يُحسب لها ذلك إذا استطاعت صناعة دولة جديدة. لكن المسألة تحتاج إلى قدرة حقيقية وخبرة في صناعة الحلول.

إلغاء البلاغات الموجهة ضد قادة صمود وبعض التنظيمات السياسية الأخرى والضمانات القانونية؟

 

الضمانات القانونية قُدمت للأطراف التي ستشارك في مؤتمر الحوار وتأتي من الخارج، ولديها بعض الإجراءات القانونية، وقد قُدمت لها هذه الضمانات. ويبقى السؤال: هل تعتقد هذه الأطراف المتحاورة أن الضمانات غير كافية وتريد المزيد؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما الضمانات الأخرى التي تريدها؟. يجب أن نكون عمليين. إذا كانت هناك دولة تقدم لك الضمانات، وأنت تشعر بأن هناك مطلوبات أخرى، فمن المهم أن تحدد هذه المطلوبات، سواء كانت بصورة فردية أو جماعية. ومن واقع التواصل الفردي مع الأطراف الممانعة، ومعظمها موجود خارج السودان، أستطيع أن أقول إنهم يعتقدون أن الضمانات كافية، ولا يحتاجون إلى ضمانات إضافية. بل إن بعضهم يقول إن هذه الضمانات لم تكن هي المشكلة الأساسية بالنسبة إليهم، وقد أوضحوا ذلك في بياناتهم. وعندما التقينا بمعظمهم، قالوا إن الضمانات كافية، وإنه يمكن الانتقال بعدها إلى بقية الخطوات. وبالتالي، فإن تحفظاتهم لا تتعلق بالضمانات القانونية بقدر ما تتعلق بأسئلة أخرى، مثل: هل ستُنفذ القرارات التي سيصدرها المؤتمر؟ وهل سيكون هناك تأثير حقيقي في عملية اتخاذ القرار؟ وهل توجد جدية فعلية في تغيير الواقع الحالي؟. هذه هي الأسئلة التي تتكرر في لقاءاتنا معهم. ونحن نعتقد أن هذه أسئلة موضوعية، ولا مشكلة في طرحها. فالإنسان قد يحتاج إلى مزيد من الاطمئنان حتى يقتنع. ولذلك، إذا كانت هناك أطراف ترى أنها تحتاج إلى ضمانات إضافية، فما طبيعة هذه الضمانات؟ وما المطلوب تحديداً حتى نستطيع مناقشة الأمر مع الدولة والجهات المعنية؟. وأعتقد أن الأطراف الدولية والمنظمات التي جلسنا معها ترى أيضاً أن الضمانات الحالية كافية.
وأذكر أن أحد ممثلي الأطراف الدولية طرح سؤالاً خلال أحد اللقاءات، وقال: هل يمكن، مثلاً، إذا طلبت الأطراف السودانية عقد المؤتمر في الخرطوم، أن يُعقد داخل مقر الأمم المتحدة، باعتبار أن ذلك يوفر ضمانات إضافية؟. وكان ردي عليه بسؤال: من الذي يحمي مقر الأمم المتحدة نفسه؟. فالأمم المتحدة لا تملك جيشاً يحمي مقرها في السودان، وإنما الحكومة السودانية هي التي توفر الحماية. ثم إن الوصول إلى مقر الأمم المتحدة يتطلب الوصول أولاً إلى مطار الدولة، والعبور عبر شوارعها. وحتى لو افترضنا أن المشاركين وصلوا إلى داخل مقر الأمم المتحدة تحت حماية أجنبية، فإنهم مواطنون سودانيون، ولديهم أهل وأقارب يرغبون في زيارتهم في القرى والمدن. فهل ستستمر هذه الضمانات معهم خلال زياراتهم الشخصية؟. في النهاية، من الذي يوفر الحماية للأمم المتحدة نفسها داخل السودان؟ إنها الحكومة السودانية. إذاً، لا بد أن ننظر إلى المسألة بمنطق؛ لأن الجهة التي تقدم الضمانات هي نفسها الجهة التي ستوفر الحماية في مختلف المواقع. ونحن نعتقد أن الضمانات الحالية كافية جداً، ولا نرى أن هذه المسألة ينبغي أن تكون عائقاً أمام الحوار.

 

هل قدمت هذه الضمانات في السابق لأطراف سياسية كانت في حالة صراع مع الدولة؟

 

حدث ذلك من قبل في عهد الرئيس جعفر نميري، عندما أراد الصادق المهدي الاجتماع معه، رغم وجود حرب وصراع عسكري مع الدولة. وعندما طلب الصادق المهدي ضمانات، قدم له نميري ضماناً شفهياً، وقال له: «لك الأمان، تعال». ولم يكن هناك قرار مكتوب أو أي شيء من هذا القبيل، وإنما كان ضماناً شفهياً فقط. والإمام الصادق المهدي سجل شريطاً تحدث فيه عن هذا الضمان، ثم التقيا في بورتسودان، وانتهى الاجتماع وعاد كل طرف، ولم يحدث ما يخشاه المشاركون.
وهناك مثال آخر يتعلق بزعيم الحزب الشيوعي الراحل محمد إبراهيم نقد، في سبعينيات القرن الماضي، بعد انقلاب التصحيح العسكري. ففي مناسبة احتفالية مرتبطة بالمدرسة، كان هناك احتفال ومشاركة في مباراة كرة قدم، وأراد محمد إبراهيم نقد المشاركة في المناسبة بحضور الرئيس. وقُدم له الأمان شفهياً، وشارك في المباراة، وبعد انتهاء المباراة وإعلان الحكم نهاية اللقاء، غادر المكان، ولم يتعرض لما يخشاه.
وأعتقد أن هذه التجارب تؤكد أن الضمانات السياسية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مسألة قانونية فقط، وإنما يجب النظر أيضاً إلى طبيعة المواقف والظروف السياسية المحيطة بها.

 

هل تخشى القوى السياسية تكرار ما حدث بعد عام 2019، وما صاحب تلك الفترة من تحريض في الشارع أو من بعض كوادر الأحزاب ضد قوى سياسية معينة؟

 

لا أرى أن الأمر ينبغي أن يُفهم بهذه الصورة. أعتقد أن هذه المسائل كانت تكتيكات سياسية استخدمتها الأطراف السياسية في ما بينها. وأعتقد أن القوى السياسية أدركت الآن مغبة استخدام مثل هذه التكتيكات؛ لأنك في النهاية قد تفجر المسرح السياسي كله، ويكون أثر ذلك عليك وعلى خصومك في الوقت نفسه. وأرى أن هناك وعياً سياسياً أكبر الآن. فالأحزاب والقوى السياسية والسياسيون ليسوا كما كانوا في الماضي؛ لأنهم مروا بتجربة قاسية جداً، وشاهدوا الدولة كلها تنهار تحت وطأة السلاح والتمرد خلال السنوات الثلاث الماضية. وأصبح الجميع يدرك حجم الخطأ الجسيم المتمثل في التلاعب بالنار. لذلك أعتقد أن القوى السياسية أصبحت واعية تماماً بخطورة هذه التصرفات، وهناك حصانة ذاتية تمنع الرغبة في ممارسة العنف أو استخدامه تحت غطاء العمل الجماهيري. كما أن هناك ضمانات كافية في هذا الاتجاه. وقد رأينا بعض الأشخاص الذين تورطوا في انتهاكات ضد الشعب السوداني، وهم الآن موجودون داخل الوطن ويتحركون في الشوارع بأمان. وهذه ميزة في الشعب السوداني ينبغي للقوى السياسية أن تستفيد منها. فالشعب السوداني شعب نبيل، وواعٍ، وذكي، ومستنير، ومتسامح، ولديه رغبة في التقدم إلى الأمام بدلاً من الارتهان للماضي. ويمكن للشعب السوداني أن يعفو عن كثير مما حدث في الماضي ويفتح صفحة جديدة، بشرط أن يرى بوضوح إلى أين يتجه المستقبل، وما الذي ينتظره في المرحلة المقبلة. وكلما فتحنا نوافذ الأمل للمستقبل، ساهمنا في تجاوز مرارات الماضي.

 

كيف تنظر القوى الخارجية إلى اللجنة؟

 

هذا سؤال ممتاز جداً، وأقول لك بصراحة إن ما وجدناه كان مفاجأة بالنسبة إلينا. عندما أنشأنا اللجنة وفكرنا في هذه المبادرة، كنا نتوقع أن تكون أصعب مرحلة هي مرحلة التعامل مع الخارج وإقناعه، أو على الأقل الوصول إلى مرحلة من الثقة في التعامل. لكننا فوجئنا بأن هذا المسار كان الأفضل بالنسبة إلينا. فقد وجدنا أن الأطراف الخارجية أكثر اندفاعاً منا في دعم اللجنة، وأكثر اقتناعاً بأن الطريق الذي نسير فيه هو الطريق المطلوب، وأن الحل يمكن أن يأتي من خلال هذه المبادرة. وكانوا يستخدمون هذه العبارات خلال اجتماعاتهم معنا، ويقولون إن الحل الوحيد المطروح الآن هو أنتم، وإن الفرصة أصبحت في أيديكم لتقديم الحل النهائي للأزمة السياسية السودانية. لذلك، كانت هناك دعوات من مختلف الأطراف لدعم المبادرة وتسريع خطواتها. وأعتقد أن أفضل مثال على ذلك هو الاجتماع الذي عُقد مع المبعوث الفرنسي، الذي جاء إلى مقر اللجنة واجتمع معنا. وفرنسا كانت، إلى حد كبير، من الدول التي اتسمت مواقفها تجاه القضية السودانية بشيء من التشدد. لكنه جلس معنا فترة طويلة، قاربت ست ساعات. وبعد عودته إلى أديس أبابا، نشر تغريدة تحدث فيها بصورة إيجابية جداً عن لقائه باللجنة. وفي ختام التغريدة، وجه رسالة إلى الخماسية الدولية، المسؤولة عن ملف العملية السياسية في السودان، باعتبارها ممثلة للمجتمعين الدولي والإقليمي في التعامل مع الملف السياسي السوداني، دعا فيها إلى دعم اللجنة والتركيز عليها، باعتبار أنها تمثل المسار الذي يمكن أن يقدم الحل. وهذا الكلام نفسه سمعناه من أطراف أخرى خلال لقاءاتنا معهم. بل إن بعض الأطراف الخارجية كانت تطالبنا بالإسراع في خطواتنا، وتقول لنا: استعجلوا، وامضوا بوتيرة أسرع؛ لأن الظروف الآن مهيأة تماماً لمعالجة الأزمة إذا تحركتم بسرعة، ووصلتم إلى المؤتمر وخرجتم بخلاصات واضحة. لذلك أعتقد أن المجتمع الدولي يدعم لجنة تهيئة الحوار والوصول إلى الحوار بصورة كاملة.

 

وهذه بشارة؟

 

نعم بشارة جيدة، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة. فلم يعد مقبولاً أن نقول إننا وجدنا دعماً دولياً، ثم نتوقف عند ذلك. عندما يقول لك الجميع إنك تمثل الأمل والحل، تصبح مطالباً بأن تكون بالفعل عند مستوى هذه المسؤولية. وأنا، كلما جئت صباحاً إلى هذا المكتب، مكتب تهيئة الحوار السوداني السوداني، أشعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا. فهناك ملايين السودانيين يعيشون حياة صعبة جداً نتيجة الأوضاع الحالية. والسودان يمتلك موارد ضخمة، لكن في ظل الأوضاع الراهنة لا يستطيع الاستفادة منها. وسنظل جميعاً فقراء وفي وضع صعب؛ فالكهرباء مقطوعة، والخدمات غير متوفرة، والوقود والمواصلات يعانيان من مشكلات كبيرة، والأسعار في ارتفاع مستمر. وسنظل أسرى لهذا الوضع، رغم أننا من أغنى الدول من حيث الموارد، بل إن مواردنا تفوق موارد كثير من الدول المحيطة بنا في الإقليم العربي والأفريقي. لكننا لن نستطيع الاستفادة من هذه الموارد إلا إذا تحررنا من الأزمات التي تعيقنا.

 

كيف تنظر إلى جذور هذه الأزمة؟ وأين يكمن الخلل الحقيقي في الدولة السودانية؟

 

أعتقد أنني كتبت كثيراً في هذا المجال، وأرى أن الخطأ والاعوجاج في الدولة السودانية واضحان أمامي، كما أرى هذه الطاولة التي تجلس أمامي الآن. الخلل واضح جداً، والمطلوب في المقام الأول هو إرادة التغيير. ومشكلات الدولة السودانية، رغم الحرب وكل ما حدث، ليست مستعصية على المعالجة إلى الدرجة التي يتصورها البعض. ويمكن تجاوز كثير منها بسهولة، لكن ذلك يحتاج إلى قدرات فنية وخبرات حقيقية للتعامل معها. يمكن تشبيه الأمر بشخص يريد تفكيك لغم في طريقه؛ فقد تبدو العملية بسيطة، لكنها تحتاج إلى خبرة. وإذا لم تكن لديك الخبرة المطلوبة، فقد ينفجر اللغم فيك.

 

هل عجزت هذه القوى السياسية والنخب عن إيجاد الحلول؟

 

الإجابة، بطبيعة الحال، ليست نعم أو لا بصورة مطلقة، وإنما هي بين الأمرين. والإجابة تأتي من الواقع نفسه. أنت الآن شاب وتتحرك في الدولة، ويمكنك أن تنظر إلى السودان من خلال أدواتك الإعلامية، وأن تعود بالتاريخ إلى بدايات الحكم الوطني. فلنبدأ من أول حكومة سودانية حكمت البلاد قبل الاستقلال. أول حكومة كانت عام 1954. وأنا، لهذا السبب، كنت دائماً أعترض على استخدام عبارة «الانتقال الديمقراطي» عند الحديث عن السودان. فنحن أجرينا انتخابات حرة، وبدأنا تجربة الحكم الوطني منذ تلك الفترة.

 

هل انت متفائل؟

 

متفائل جداً.