
أبوذر عوض الكريم يكتب: كابوس العائدين
كابوس العائدين
شموخ وطن
أبوذر عوض الكريم أحمد
□ لم يكن ظهور مولانا وشيخنا أحمد هارون خبراً عابراً في زحام المشهد السياسي، ولا مجرد إطلالة لرجل غاب عن المنابر زمناً. ما حدث أن اسماً ظن بعضهم أن غيابه طوى صفحته، عاد ليفتح نقاشاً كانوا يفضلون بقاءه مؤجلاً. وهنا تحديداً تكمن حكاية هذا الظهور؛ فهناك من يطمئن إلى غياب خصومه أكثر مما يطمئن إلى قوة حجته، ومن يعتقد أن إبعاد الأسماء كافٍ لإغلاق الملفات، فإذا بظهور واحد يعيد ترتيب الأسئلة ويوقظ مخاوف ظلت كامنة خلف خطاب الإقصاء.
□ مولانا أحمد هارون لم يظهر في ثوب المستجدي لمكان في المشهد، ولم يتحدث كمن جاء يطلب الإذن من خصومه حتى يمارس حقه في الكلام. تحدث بلسان رجل خاض تجربة الحكم، وعرف دهاليز السياسة، وله ما له وعليه ما عليه. وهذه نقطة تستحق الانتباه؛ فالتجربة السياسية لا تُمحى بقرار، ولا يصبح صاحبها خارج التاريخ لمجرد أن خصومه قرروا ذلك. للناس حق الاختلاف معه، وله حق أن يعرض رؤيته، وبين الحقين مساحة واسعة اسمها السياسة، لا تحتمل وصاية طرف واحد.
□ وأكثر ما لفت الانتباه في حديثه موقفه الواضح من القوات المسلحة وقيادتها، وإعلانه الوقوف معها في معركة الكرامة، وتأكيده أن الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان هو قائد البلاد. لم يترك الرجل موقفه معلقاً في منطقة التأويل، ولم يحاول إرضاء هذا الطرف على حساب ذاك. وهذه مواقف تُقرأ بوضوح، خصوصاً في مرحلة تحتاج إلى تحديد المواقع، لا إلى المراوغة في الكلام أو صناعة مواقف تصلح لكل المنابر.
□ وفي حديثه عن الميدان والتفاوض، أعاد مولانا التذكير بحقيقة تغيب عن بعض محترفي السياسة: لا يمكن انتزاع مكاسب على طاولة التفاوض لا يسندها واقع الميدان. فالقوة التفاوضية لا تُصنع بالأمنيات، ولا تمنحها البيانات الصحفية لمن يفتقد أسبابها. ومن يذهب إلى التفاوض متجاهلاً ما يجري على الأرض، قد يعود باتفاق يحمل أسماء كبيرة، لكنه يترك جذور الأزمة في مكانها.
□ لكن الحكاية الأهم لم تكن في حديث شيخنا أحمد هارون وحده، بل في ردود الفعل التي أعقبته. فقد بدا أن بعض الذين يرفعون شعار الديمقراطية يجدون صعوبة بالغة في تقبل حق الآخرين في الظهور والكلام. يريدون حواراً على مقاسهم، ومشاركة وفق قوائمهم، ومستقبلاً سياسياً لا يظهر فيه إلا من يحمل موافقتهم. وهنا تنكشف المفارقة التي تستحق المواجهة: كيف لمن يطالب بالديمقراطية أن يفزع من مجرد ظهور خصم سياسي، وكيف لمن يتحدث عن حرية الاختيار أن ينزع عن الآخرين حقهم في عرض أفكارهم ومواقفهم؟
□ يا هؤلاء، لا يمكن أن تكون الديمقراطية بطاقة عضوية تمنحونها لمن تشاؤون وتسحبونها ممن تختلفون معه. ولا يصح أن يتحول الخلاف السياسي إلى حكم أبدي بالحرمان من المشاركة. من حقكم أن تنتقدوا تجربة مولانا أحمد هارون، وأن تناقشوا مواقف الحركة الإسلامية، وأن تفتحوا ملفات الحكم السابق بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، لكن ليس من حق أحد أن يصادر حق الآخرين في الكلام، أو ينصّب نفسه حارساً على بوابة الحياة السياسية.
□ لقد دفعت البلاد أثماناً باهظة بسبب عقلية احتكار المشهد، وبسبب نخب تصورت أن الدولة يمكن أن تُدار بعقلية الغالب والمغلوب. وكلما أُقصيت مجموعة، وجدت مجموعة أخرى نفسها أمام الباب ذاته. وهكذا ندور في حلقة لا تنتهي؛ تتغير الوجوه، وتبقى العقلية كما هي. أما الدولة فلا تحتمل أن تصبح غنيمة في يد تيار، ولا أن يكون مستقبلها رهيناً لخصومة بين سياسيين.
□ وفي الوقت ذاته، فإن عودة مولانا وشيخنا أحمد هارون إلى الحديث العام لا تعني منحه صك براءة من مراجعة التجربة، ولا إعفاء أي طرف من المحاسبة. من حق الناس أن تسأل، ومن حقهم أن يختلفوا، ومن حقهم أن يسمعوا إجابات واضحة. فالمشاركة لا تعني الحصانة، والاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من الرجال، بل يمنح التجربة فرصة لتصحيح مسارها. ومن يريد فتح صفحة جديدة عليه ألا يخشى قراءة الصفحات القديمة.
□ أما الحوار السوداني السوداني، الذي يكثر الحديث عنه، فلن تقوم له قائمة إذا بدأنا بتحديد من يدخل ومن يُمنع، ومن يتحدث ومن يلتزم الصمت. الحوار الذي تُكتب نتائجه قبل انعقاده ليس حواراً، وإنما اجتماع لتأكيد مواقف جاهزة. نحن أمام مرحلة أكبر من حسابات التنظيمات، وأخطر من أن تُختزل في رغبة هذا الطرف في الانتقام من ذاك. القوات المسلحة تخوض معركة الكرامة، والبلاد تحتاج إلى اصطفاف وطني حقيقي، وإلى قوى سياسية تدرك أن اختلافها لا ينبغي أن يتحول إلى ثغرة تنفذ منها الأجندات المعادية.
□ ولعل أكثر ما أزعج أصحاب خطاب الإقصاء أن ظهور شيخنا أحمد هارون أعاد طرح احتمال المشاركة السياسية لقوى ظنوا أنهم أغلقوا الطريق أمامها إلى الأبد. فالكابوس هنا ليس ظهور شخص بعينه، وإنما سقوط وهم القدرة على التحكم في المشهد، واحتكار الحديث باسم الشعب، وتوزيع صكوك القبول والرفض على الآخرين. السياسة أوسع من أن يحبسها أحد في جيبه، والتاريخ لا ينتظر موافقة خصوم رجل حتى يسمح له بالعودة إلى ساحة النقاش.
□ لا أرى في هذه الإطلالة نهاية لخلاف سياسي قديم، ولا بداية مصالحة جاهزة، لكنها أعادت إلى الواجهة حقيقة ينبغي أن يفهمها الجميع: لا يمكن بناء مستقبل مختلف بالأدوات ذاتها التي صنعت أزمات الماضي. ومن أراد منافسة خصومه فليقدم مشروعاً أفضل، ومن أراد إقناع الناس فليطرح حجته، أما الهروب إلى التخوين والإقصاء فلن يصنع زعامة، ولن يمنح صاحبه حق الوصاية على الآخرين.
ولشموخ وطن كلمة:
□ كابوس العائدين لا يسكن الذين يملكون مشروعاً ورؤية، بل الذين يخشون أن يسمع الناس غير أصواتهم. ومن يثق في موقفه لا ترتجف يده لمجرد أن خصمه تحدث، ولا يخاف من مناظرة تجربة بتجربة، ولا من مواجهة فكرة بفكرة. الوطن أكبر من خصومات السياسيين، وأبقى من حملات التشويه، ومن أراد أن يكون له مكان في مستقبله فليفتح صدره للمنافسة، لا أبواب الإقصاء. فالأوطان لا تنهض بإسكات خصومها، وإنما برجال يعرفون أن قوة الحجة أبقى من ضجيج الخصومة.
