خالد فتح الرحمن: هذه القصيدة ( ….) كتبتها بضوء شمعة قلبي.!

تحت زخات التغريدات التي لا تصدأ ولا تهدأ .. الشاعر خالد فتح الرحمن:

لو كان الشعر طعامًا وسقاءً لصمت عنه ففي الصوم وِجاء

الشعر معيار جمالي موثوق به في قياس تقدم الأمم

تفتحت على الشعر وأنا بعيد عن أجواء بلادي ولذلك أجفلت من التلمذة

من الخير للمرأة أن تقنع بجائزتي الإلهام والإنصات للشعراء

إحتفائي بالعقاد هو إحتفاء بكبرياء الفكر والفن

هذه القصيدة ( ….) كتبتها بضوء شمعة قلبي.!

++++++++

مدخل:
في محكمة الشعر وفي جلستها البكر يجلس خالد فتح الرحمن، بقافيته البرزة ولغته المنثورة أو (المشعورة) وضميره المثقف.
أي شاعر هذا، الذي ما دخل معركة طرفاها (القلب والقافية)، إلا وخرج منها وكلاهما رابح رابح في معركة العذابات القصيدة.
وخالد المولود في عطبرة والذي تحدث إلى مجلة (بلادي) صيف العام 1995م، بُعيد إطلاق ديوانه الأول (قصائد ليست للتصفيق)، كان لا يزال حَدِث في التدريب والتجريب، هناك رضع الإنضباط فعطبرة؛ بوصفه؛ متحضرة مثقفة تحكمها (صفارة) لا تتأخر. لكنه ساعة حشر الحروف الحرائر ستجده؛ وسيما قسيمًا؛ مستويًا في صف الكبار يطيق طاقاتهم، يحترق إحتراقاتهم، بل ويخترق إختراقاتهم، ففيه من دم شيخ الشعراء عبدالله الشيخ البشير كثير، أما فريد غنائه (إسماعيل حسن) فمن أهل بيته.
سافر باكرًا إلى المدينة المنورة (بستان التاريخ الإسلامي) كما سماها، رفقة والده الأستاذ بجامعتها الإسلامية، وهناك أحرز المركز الأول في نتيجة الشهادة الثانوية على المنطقة الغربية. وفي الرياض التي تخرج فيها شاعرًا ليعود إليها سفيرا في العام 2014، تفتحت قريحته ليفوز على مدى أربع سنوات تواليًا بجائزة الشعر في جامعة الملك سعود، أمرًا جعل أحد أساتذته يقترح بأن توقف هذه الجائزة على هذا (الزول). واليوم، وعبر الصبوحة والصديقة للبيئة المبدعة (ألوان) نعيد نشر حروفه بعد عقود ثلاثة، وهي لا تزال نابضة متلألئة. وقد اتفقت مع أستاذ حسين على (تحريش) سعادة الدكتور السفير الذي يشرف اليوم على قطاع الشراكات والتعاون الدولي ومديرًا لإدارة الحوار الحضاري بمنظمة العالم الإسلامي الإيسيسكو، على البقاء صامدًا متحديا بقوله: إن تاريخ الجمال والهوى يضن بالشعر المتجاوز على المرأة غالبًا، ولذلك فمن الخير لها أن تقنع بجائزتي الإلهام والإنصات فقط !. وأن ليس بمقدور (بنات الحاج)؛ روضة ونضال؛ أن يكتبن في رجل مثلما كتب الشاعر في مُلهِمته:
إن التي زعمت فؤادك ملَّها
خُلِقَت هوًى لك كما خُلِقتَ هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها
بلباقة، فأدقٌها، وأجلٌها
وكنت قد سألت، ذات حوار، البروفيسور عبد الله حمدنا الله على قبره شآبيب الرحمات تهمي، من يكون شاعر السودان القادم؟ فأجاب من فوره: إنه خالد فتح الرحمن، فقط، لو أخلص للشعر. وتلك لعمري مهمة عويصة أمام الشاعر بأظافره النابشة .. والدبلوماسي بلغته المأنوسة الآسرة.

أجراه: عبد العزيز عبد الوهاب

++++

+ حبيبات النشأة الأولى ماذا تقول عنها؟

** لم يبق منها في الذاكرة غير ملامح بلورية، لأمواج كانت تحملني بعيدًا بعيدا عبر البحر الأحمر. أو لضفاف موسمية الأفراح والأحزان، هناك عند نهر عطبرة، أما ما عدا ذلك فقد نسيته متعمدًا أو غير متعمد – فأنا أقدر جدًا مقولة آرنست رینان (نسيان التاريخ عامل ضروري في تكوين الأمم)، وأضيف أنا (والأفراد كذلك).

+ من الذي أطعمك وسقاك الشعر؟

** لو كان الشعر طعاما وسقاء لكان الصوم عنه ممكنا إذ أن (في الصوم وجاء).

+ طقس القصيدة عندك .. متى يبرد .. متى يدفأ؟

** هل هي مصادفة أن القصيدة التي أستعد لنشرها تحمل عنوان (طقوس). إن معادلة الدفئ والإبتراد هذه ربما تستغرق القصيدة في اللحظة الواحدة ذاتها، وهي فكرة فلسفية قديمة أودعتها أبياتا أخيرة:

كانت هواجسه العجفاء ترتعد
وكان وجه الزمان الصحو يبترد
تبادلا جوهر الأشياء … ما انتبهت
عين المكان .. و لا سماره شهدوا
فذي أمانيه الخضراء تبترد
وذاك وجه الزمان الجدب يرتعد
هنيهة كانتهاب البرق خاطفة
نمضي .. ويزأر في أركانها (الأبد)

+ إذًا، تكاليف صنع القصيدة من يدفعها … قلبك أم دمعك؟

** لا أرى ثمة ما يدعو لهذا الرئاء الشامخ … ففي حساب الأرباح والخسائر، كِلا القلب والدمع رابح من صفقة العذابات / القصيدة.

+ التجربة الشعرية عموما، تشهد تراجعا في مهجورية القواعد ومظلومية القوافي، مع إننا (عرب موزونون جدًا) فهل نطلقها: وامعتصماه؟

** على المستوى العام، هناك إحساس طاغ بأن العصر كله يشهد تراجعًا مخزيًا في منظومة القيم، ربما يكون إحساسا خاطئا، ولكن الجميل هنا أن الشعر؛ المظنون تراجعه؛ يبرز كما لو أنه (ترمومتر) موثوق به في قياس درجة التقدم أو درجة الإنحسار لأنه معیار جمالي. أما الإلتفات إلى مهجورية القواعد ومظلومية القوافي فيظل؛ بلغة القانون؛ تسبيبًا جزئيا صائبًا في محاكمة كم هائل من الشعراء، ليس كله بالضرورة شبابا، يتعامل مع القصيدة كما يتعامل الغربيون مع الطعام في زحمة العمل … إنها طريقة TAKE AWAY خذ واذهب بعيدًا وشتان بين جوع يستأدبك فتطعمه وجوع تستأدبه فيطعمك…

+ بوصفكم من رواد شعراء الشباب، في قضايا تواصل الأجيال، ماهي حقوق (التلمذة) وواجبات (الأستذة) من روادٍ سبقوكم؟

** دعني أقل لك أنني أعي جيدًا منطق التأثير والتأثر ، بينما أجفل هاربًا فيما يخصني، من مصطلح (التلمذة والأستذة)، ربما يعود ذلك إلى أنني تفتحت على الشعر وأنا بعيد عن أجواء بلادي فانقطع تواصل التلمذة بيني وبين شعراء كبار في السودان، وبقيت مشدودًا على طريقة الإستشعار من بعد إلى شعراء متعددي المشارب في وطننا العربي الكبير (الجواهري السياب، الفيتوري، دنقل، البردوني).

+ المرأة المبدعة والشاعرة، هل هي مستحيلة الوجود أم تامة التكتم؟

** إن تاريخ الجمال والهوى يضن بالشعر المتجاوز على المرأة غالبًا، وما ذاك إلٌا لأنه بذل لها الشعر كله فدًى وقربانًا… إن الشاعر منذ القدم كان يتقن فن رسم تفاصيل المرأة / اللوحة
إن التي زعمت فؤادك ملَّها
خُلِقَت هوًى لك كما خُلِقتَ هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها
بلباقة، فأدقٌها، وأجلٌها

هات لي إمرأة تقول كلامًا مثل هذا في رجل! من الخير لها إذن أن تقنع بجائزتي الإلهام والإنصات.

+ عرفناك عقّاديًا، الإنتساب والضرب والهوى، ماذا أهداك، وماذا بقى منه فيك؟

** إحتفائي بالعقاد هو إحتفاء بكبرياء الفكر والفن، لقد بلغ العقاد في هذه الكبرياء درجة التصوف الفكري فأصبح شخصية متفردة في الإهتداء بقيمة المثقف، أزعم أن قد بقي لدي منه إهتمام إلى حد الهوس بالمنهجية، فلكل شيء نظام ولكل نظام عناصر ولكل عنصر سيماه حتى في الشعر! إن العقاد يرفض للكلام أن يكون؛ كما يقول أهلنا؛ (كلامًا ساكتًا).

+ في ديوانك (قصائد ليست للتصفيق)، لماذا ليست للتصفيق؟ ألأنهم بساعد واحد، أم لأن التصفيق في الزمن المحروق حرام؟

** نعم هو في هذا الزمن حرام، كما أنني لا أحب فكرة الإنتحار الجماعي، هذا إذا تجاوزنا في المعنى المقصود من العنوان، نرجسية لا أعتذر عنها.

+ وفي قرابة الرحم من أي القبائل جاء هذا الديوان؟

** لقد قلت في مقدمة الديوان (إن هذا الشعر لا ينتمي إلى أي من المدارس كما أنه لا ينتمي إلى أي من الأيدولوجيات) وأنا ؛بعد ذلك؛ لا أصادر حق الآخرين في تصنيفهم لي ولشعري، ولكن أردت أن أقول كلمتي.

+ لم نرتفع في السودان حتى الآن بالشعر ليصبح مهنة حقيقية… يعتاش عليها الشاعر كما هو الحال في بلاد قريبة؟

** ولذلك تخلو قوائم النقاد العرب من أسماء شعراء السودان. نحن لا نستطيع أن نكتب قصائد (مدفوعة الثمن مسبقًا) ولكننا نكتب شعرًا له نكهة خاصة، ولابد لها أن تفوح رغم (النظام التسويقي العالمي الجديد … و القديم أيضاً).

+ كل الشعر للنشر إلا واحدة، ما هي؟

** ربما كانت أكثر من واحدة، هل تريدني أن أسميها؟، حسنا؛ ولكن كيف وهي ليست للنشر؟.

+ قصيدة لو كتبت لاهتز لها (البيت الأبيض)؟

** لا توجد؛ فقصائد هذا الزمن كلها تحب اللون الأسود وتخشى من الأبيض.

+ قصيدة كتبتها بضوء شمع القلب؟

** هي والأخريات …

+ و أخرى مزقتك فمزقتها؟

** هيهات أن أستطيع لها تمزيقا بعد إذ مزقتني، إن طائر الفينيق الأسطوري هو كائن شعري، يتوهج حين يحترق، ثم لا يلبث أن ينطلق محلقًا من رماد حريقه.

+ غناؤك للشعب المسلم المقهور في البوسنة ، كيف يجيء؟

** حاولت تبرئة نفسي بصورة دعائية، من جريمة الصمت إزاء مأساة العصر. إنني يا أخي لا أملك شيئا غير الشعر.

+ أبيات مأمولة لزمن قادم؟

** كلاهما مأمول؛ فمن سبق منهما له جائزة الريادة.