
اجتماع أديس أبابا .. خطوط حمراء ولا سلام بلا عدالة
حوار سوداني تحت رعاية دولية
اجتماع أديس أبابا .. خطوط حمراء ولا سلام بلا عدالة
تقرير: الهضيبي يس
تشهد العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، اجتماعاً سياسياً مهماً بمشاركة قوى سودانية متباينة، في محاولة لإطلاق حوار سوداني – سوداني تحت إشراف الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة إيغاد. ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة كونه يجمع للمرة الأولى قوى داعمة للجيش السوداني وأخرى مساندة لمليشيا الدعم السريع، إلى جانب قوى رافضة للحرب، في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالأزمة السودانية، ويضع المجتمعين أمام اختبار حقيقي لإمكانية التوافق على أرضية مشتركة تمهد لإنهاء النزاع. ويُنتظر أن يخرج الاجتماع بتشكيل لجنة تحضيرية تتولى الإعداد لانطلاق حوار شامل، وسط آمال حذرة بإمكانية تحقيق اختراق سياسي، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
وأعلن فيه حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي استجابة الكتلة الديمقراطية لدعوة الآلية الخماسية، مؤكداً تمسكها بموقفها الثابت بأن يكون الحوار “سودانياً خالصاً” يُعقد داخل السودان ويشمل جميع القضايا والأطراف دون إقصاء لأي جهة. وأوضح مناوي في منشور عبر صفحته على فيسبوك، أن الكتلة رفضت منح مليشيا الدعم السريع “تأسيس” أي امتياز أو مكسب سياسي، واصفةً إياها بأنها “تنظيم إرهابي ارتكب جرائم إبادة جماعية وتطهيراً عرقياً” في الفاشر والجنينة ومعسكر زمزم وود النورة ومناطق أخرى.
وأكد مناوي أن مشاركة الكتلة الديمقراطية في اجتماعات أديس أبابا جاءت استناداً إلى موقف سياسي واضح وثابت يرتكز على رؤية الكتلة لمستقبل السودان ووحدته واستقراره. وقال إن حضور الكتلة للاجتماعات لم يكن بهدف تحقيق مكاسب سياسية آنية، وإنما لتأكيد مبادئ تعتبرها أساس أي عملية سياسية جادة تفضي إلى السلام والاستقرار.
وأوضح أن أولى هذه المبادئ أن يكون الحوار سودانياً خالصاً داخل السودان، باعتبار أن قضايا الوطن لا تُحل إلا بإرادة أبنائه، مع التأكيد على أن دور الآلية الخماسية والمجتمع الدولي يجب أن يقتصر على المساندة وتيسير الحوار فقط دون أن يكون بديلاً عنه.
وشدد على ضرورة أن ينطلق الحوار من معالجة القضايا الوطنية الكبرى ذات الطابع فوق الدستوري، وصولاً إلى وضع ملامح دستور دائم وتحديد أطر الفترة الانتقالية.
وأضاف أن المبدأ الثاني يتمثل في رفض المساومة بين السلام والعدالة، محذراً من منح قوات الدعم السريع أو تحالف “تأسيس” أي امتيازات سياسية تتجاوز استحقاقات العدالة والمحاسبة، باعتبار ذلك خطأً سياسياً وأخلاقياً ستكون له تداعيات خطيرة على مستقبل العملية السياسية.
ودعا مناوي المجتمع الدولي وعلى وجه الخصوص الآلية الخماسية إلى تجنب أي خطوات يمكن أن تُفهم على أنها محاولة لإعادة تأهيل هذه الأطراف أو منحها شرعية سياسية على حساب حقوق الضحايا ومطالب العدالة.
وفيما يتعلق بوحدة السودان، أكد مناوي أن الحفاظ على الدولة الموحدة يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، مشدداً على رفض أي مساعٍ لتفكيك مؤسسات الدولة أو إنشاء حكومات موازية خارج إطار الشرعية الوطنية لما تمثله من تهديد لوحدة البلاد واستقرارها.
وقال إن ذلك يستوجب موقفاً واضحاً من المجتمع الدولي بإدانة مثل هذه التوجهات ورفض دعمها.
كما أعلن رفض الكتلة الديمقراطية للدعوات الرامية إلى تشكيل حكومة خارج الحدود السودانية ومحاولة فرضها على الواقع السياسي الداخلي، مؤكداً أن الحكومات لا تستمد شرعيتها من المؤتمرات الخارجية أو الدعم الدولي وإنما من قبول الشعب وإرادته الحرة.
وأضاف أن أي مشروع سياسي يتجاوز الإرادة الوطنية سيظل فاقداً للسند الشعبي الحقيقي ولن يساعد في تحقيق الاستقرار بل سيكون سبباً في إطالة أمد الصراع.
وأكد مناوي أن قرار المشاركة في اجتماعات أديس أبابا كان قراراً مؤسسياً حُسم داخل أجهزة الكتلة الديمقراطية، وأن غياب بعض الأعضاء لأسباب خاصة لا يمثل الموقف الرسمي للكتلة وإنما شأناً يخصهم.
وشدد في ختام منشوره على أن السودان يمر بمرحلة دقيقة تتطلب الوضوح في المواقف والتمسك بالثوابت الوطنية، مؤكداً تمسك الكتلة الديمقراطية بالحوار السوداني – السوداني والعدالة غير القابلة للمساومة ووحدة البلاد ورفض أي حلول تُفرض من الخارج بعيداً عن إرادة الشعب.
ويرى المحلل السياسي أبوبكر الحسين أن اجتماع أديس أبابا يمثل فرصة نادرة لفتح قنوات تواصل مباشرة بين أطراف الصراع، لكنه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بانعدام الثقة وتضارب الأجندات. ويشير الحسين إلى أن نجاح الحوار مرهون بمدى التزام الأطراف بتقديم تنازلات حقيقية، خاصة فيما يتعلق بملف العدالة وترتيبات المرحلة الانتقالية. كما أكد أن دور الآلية الخماسية يجب أن يظل في إطار التيسير دون فرض حلول، حتى لا يفقد الحوار شرعيته الداخلية، لافتاً إلى أن أي تسوية لا تحظى بقبول شعبي واسع قد تؤدي إلى تعقيد الأزمة بدلاً من حلها.
وأشار الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد عثمان الرضي أن هناك انقسام على مايبدو قد حدث داخل الكتلة الديمقراطية بسبب هذه الدعوة حيث من الملاحظ إعلان 14 تنظيم سياسي اتخاذ موقف وقرار المشاركة بينما آثرت 5 تنظيمات سياسية أخرى رفض الدعوة والمقاطعة، مايعني عدم التوافق حول رؤية الحل بشكل كامل بين معظم التنظيمات السياسية وعدم القدرة في التوصل لحد أدنى لحل أزمة السودانية وماتولد عنها نتيجة الحرب.
ويضيف الرضي: قطعا بهذه الطريقة لن تكون هناك أي جدوى لدعوة الآلية الخماسية للقوى السياسية السودانية للتوصل لحل أزمة الحرب عن طريق مائدة (الحوار) في أديس أبابا خاصة وان تطبيق أي مخرجات لن يكون محط توافق وهو ماحدث قبل أشهر قليلة من خلال ماعرف بموتمر برلين برغم مايحمله من قضايا إنسانية تتصل بمناطق مثل دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق.
وزاد: إحدى الإشكاليات بالغة الأهمية هي عدم وجود أي مشتركات سياسية تلوح في الأفق لحل الأزمة السودانية، فأهم طرف هو القوات المسلحة السودانية غير موجودة ضمن هذة المعادلة رغم رؤيتها التي تتسق مع ماورد في اتفاق جدة لسلام السودان وخارطة طريق السلام التي قامت الحكومة بوضع أسسها وعرضها على المجتمع الدولي، وهي أهم بكثير للسودانيين من إدارة نقاش وحوار حول مائدة مستديرة للخروج بتوصيات قد لا تكون مقبولة للشعب السوداني.
بالمقابل قال بيان صادر عن الكتلة الديمقراطية في السودان انه انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والسياسية، والتزامها الراسخ بالتواصل مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوداني، أجرت الكتلة الديمقراطية الاتصالات والمشاورات اللازمة بشأن المشاركة في اجتماعات أديس أبابا، وتم التوافق بصورة واضحة على الحضور والمشاركة بهدف تقديم رؤيتها السياسية المستقلة والتعبير عن مواقفها المؤسسية المجازة، بما يعكس إرادة مؤسساتها وقراراتها، بعيدًا عن أي وصاية أو إملاءات من أي جهة كانت.
وأضاف َان هذه المشاركة تأتي وفق الرؤية السياسية المعتمدة للكتلة الديمقراطية، والتي تقوم على الانفتاح المسؤول على المحيطين الإقليمي والدولي، والتفاعل الإيجابي مع كافة المبادرات والجهود الرامية إلى معالجة الأزمة السودانية، إيمانًا منها بأن الغياب عن المنابر المؤثرة لا يخدم القضايا الوطنية، وأن طرح الرؤى والمواقف الوطنية بصورة مباشرة يمثل واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يجوز التنصل منه.
بينما جاءت دعوة اللجنة الخماسية للكتلة الديمقراطية استنادًا إلى المشاورات التي جرت مسبقًا وإلى موافقتها الرسمية على المشاركة. وفي هذا السياق، اضطلع رئيس الكتلة بدور مباشر في إدارة الاتصالات والتنسيق مع الجهات المعنية، بما في ذلك استكمال الترتيبات الخاصة بالمشاركة مع رئيس القطاع السياسي والجهات ذات الصلة.
وفي إطار النهج المؤسسي الذي تلتزم به الكتلة الديمقراطية، تقدم رئيس القطاع السياسي بمقترح تشكيل الوفد المشارك، وأجرى رئيس الكتلة المراجعات والتعديلات النهائية اللازمة عليه قبل اعتماده وإحالته إلى اللجنة الخماسية، ليصبح بذلك الوفد المعتمد رسميًا والمعبر عن إرادة مؤسسات الكتلة وقراراتها التنظيمية.
وخلال الساعات الاثنتين والسبعين الماضية، طرأت مستجدات لم تتضح للكتلة الديمقراطية حتى الآن طبيعتها أو الجهات التي تقف وراءها، الأمر الذي ترتب عليه تراجع بعض الأطراف عن الموقف الذي التزمت به سابقًا بشأن المشاركة، وانتقالها إلى موقف مغاير بصورة مفاجئة. وإذ تسجل الكتلة هذه التطورات، فإنها تؤكد أن ما حدث لا يؤثر على شرعية الإجراءات التي تمت ولا على سلامة القرارات المؤسسية التي اتُخذت وفق الأطر التنظيمية المعتمدة.
وعليه تؤكد (الكتلة الديمقراطية) بصورة قاطعة أن الوفد الموجود حاليًا في أديس أبابا، وفي مقر الاجتماعات، هو الوفد الرسمي والوحيد المفوض من مؤسساتها الشرعية لإدارة الحوار والتواصل مع اللجنة الخماسية وسائر الأطراف ذات الصلة، وهو الجهة الوحيدة المخولة بالتحدث باسم الكتلة الديمقراطية والتعبير عن مواقفها خلال هذه الاجتماعات.
كما تؤكد الكتلة الديمقراطية أن خيار التواصل والانخراط الإيجابي مع الإقليم والمجتمع الدولي سيظل نهجًا استراتيجيًا ثابتًا في عملها السياسي، انطلاقًا من قناعتها بأن معالجة الأزمة السودانية تتطلب حضورًا فاعلًا في مختلف المنابر ذات الصلة، مع الحفاظ الكامل على استقلالية القرار الوطني وعدم التفريط في الثوابت والمصالح العليا للوطن.
وبناءً على ما تقدم، فإن الكتلة الديمقراطية لا ترى أي ضرورة أو سند سياسي أو تنظيمي لعقد أو المشاركة في أي اجتماع موازٍ عبر تقنية «زووم» مع اللجنة الخماسية، طالما أن وفدها الرسمي موجود في مقر الاجتماعات ويباشر مهامه بصورة مباشرة. وعليه، فإن أي مشاركة تتم خارج هذا الإطار المؤسسي تعبر عن أصحابها وحدهم، ولا تمثل الكتلة الديمقراطية أو مؤسساتها أو مواقفها الرسمية بأي صورة من الصور.