عصام جعفر يكتب: أيها الراحلون سلام

مسمار جحا

عصام جعفر

أيها الراحلون سلام

 

الحزن في السودان كائن يمشي على ساقين.
والإنسان السوداني دائم الحسرة متوقد الأحزان لا يجد الفرح له سبيلاً لم تسلكه الأحزان.
الإنسان السوداني كأنه خلق من طينة الأسى ثم قال لها القضاء كوني فكانت الإنسان السوداني.
حتى أفراح السودانيين ممزوجة بالدموع. وللفرح عندهم دموع أكثر من دموع الحزن.
فرح وحزن كيف يلتقيان سبيلهما في القلب مختلفان. ولكن قلوب السودانيين تحتوي على الحزن والفرح معاً.
كيف يعيش السودانيون الآن حياتهم بعد دمار وخراب وقتل وسحق وتشريد إمتد لعامين.
لقد تحملوا ما لم تتحمله الجبال الراسيات.
لقد احتملوا فوق طاقتهم فما وهنوا ولا ضعفوا ولا استكانوا لكن الحزن يملأ نفوسهم وأكثر ما يحزنهم رحيل الأحباب والأقارب والأصدقاء ورموز الصمود والمجتمع رسل المحبة والسلام.
الوجع لم يكن برحيلهم فقط بل بتفاصيلهم التي أبت أن ترحل معهم فظلت ذكراهم باقية.
الرائعون من أبناء بلادي يرحلون تباعا على حين غرة وبدون وداع فيخلفون هذا الحزن الباذخ والوجع المقيم.
ما من بيت في السودان لم يلفه ثوب السواد. ما من بيت يخلو من شهيد أو فقيد أو أرملة أو يتيم بفعل الحرب أو بفعل الواقع الحزين الذي خلفته.
غصة في الحلق .. ودمعة حائرة في العين وحزن صامت يكاد يقتل.
وتتوالى قوافل الرحيل فلا نستفيق من خبر رحيل أحد الأعزاء حتى ينعي الناعي لنا عزيز وحبيب آخر تعددت أسباب رحيلهم والموت واحد.
رحل عيسى السراج الرجل الإعلامي والصحافي والمربي المثقف الودود وفقده مجتمع أم درمان الذي كان من أبرز رموزه ومجتمع الرياضة الذي كان من أعلامه. وفقدته منتديات أم درمان الثقافية التي كان احد فرسانها.
ثم جاء رحيل البروفيسور أبو القاسم قور الذي يمثل رحيل دنيا وغياب نجم من سماء الأدب والثقافة والصحافة وصانع ثقافة السلام. وأعقبه مباشرة رحيل الصحفي الشاب حسام أبو العزائم الذي راح مبكياً على شبابه.
ثم لاحت غمامة الحزن الكبيرة بفقد البلد لأحد شبابها المجاهدين واسودها المدافعين عن عزتها وكرامتها فكان رحيل واستشهاد مهند فضل هو الحدث الأكبر الذي هز وجدان الشعب وفجر فيه إحساس التضحية والفداء ورسم لهم الطريق إلى وطن أبي آمن موحد.
الشهداء والراحلون الأنقياء الأحباء الأعزاء سيظلوا مشاعل على الطريق وسيرة ملهمة للنضال ونكران الذات رغم شماتة الأعداء وكيد الجبناء وخسة العملاء الذين لا يعرفون للموت حرمته ويجهلون معنى الشهادة والإستشهاد.