
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (يسمونه الجاغريو) (٢)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(يسمونه الجاغريو) (٢)
ما اسمك؟
أحمد محمد الشيخ.
اللقب؟
الجاغريو.
المهنة؟
عبقري.
ما معنى جاغريو؟
لا إجابة…
ولماذا لا إجابة؟
لأنه لا يخطر ببال أحد أن يسأل هذا السؤال.
ولماذا لا يخطر ببال أحد هذا السؤال؟
لأنه لا يخطر ببال أحد أن يحفر جانب الجبل.
العبقرية عنده كانت في أنه لم يكن يلتفت إلى العالم. لم يكن عنده إلا العيلفون الصغيرة وأشياؤها الصغيرة، لتنطلق خيوله في هذه المساحة الصغيرة، وكأنها تنطلق بين النجوم.
العيلفون كانت هي: البئر، والدلو، والطاحونة، والنساء صاخبات في ظلها، والساقية والثيران، ومركب عبد الباقي. والثوب الرجالي من الدمورية يغطي الظهر ثم الصدر والكتفين، ولا عراقي تحته. والدجاج والماعز التائهة تثغو عند المغيب وتتبع كل عابر سبيل. وكان هناك القرض (القرظ) الذي يداوي المرض، و”النوبة” و”الخميس” يقسم بين أهل النوبة وأهل القعدة.
وفي القعدات هناك القطيعة، لكنها مثل القرص بالأصابع… لا تكسر عظماً.
و: “سمعتوا حكاية ست النفر؟”
ست النفر مشت لمولانا الخليفة وقالت ليهو: الزوني وعبده سرقوا غنمايتي. أشكيهم للعمدة ولا أستنى أشيل حقي يوم القيامة؟
والخليفة المرح يقول للمرأة:
“شيلي حقك هنا… يوم القيامة لما يشيلوا عتان أم فوت السرقوها، ما بيفضل ليك شي.”
عبقرية الجاغريو كانت أن شعره فيه شيء غريب.
فهو شعر قد نسيه الناس… وبقي فيهم بعد نسيانه. شيء مثل ستارة مُزِّقت وسقطت، وبقيت منها مزعة معلقة في المسمار. والمسمار مغروس في الحائط.
أو هو – شعر الجاغريو الذي نسيه الناس – شيء مثل العطر الجيد الذي تجده في الزجاجة بعد أن نفد العطر منها.
كان هناك شيء من كل شيء: السمح والكعب. لكن كان هناك حدود لكل شيء.
ومن يتهم زوجته ويطلقها، يحيط به أهل الزوجة ليعرفوا السبب. والرجل المحاصر لا هو يستطيع أن يلفظ بشيء كعب، ولا هو يستطيع الهروب. الرجل – في بحثه عن الصفة الكاملة للسوء – يقول عن فجور الزوجة:
“يعني كدي… ما فاضل ليها إلا تشرب السجار.”
في أول أيام النميري، كان الإحصاء السكاني يجد أن المواطنين عددهم عشرة ملايين، وأنه في مقابل كل مواطن هناك أربع بقرات وعشرة من الماعز… والحمير. وكان روث الحمير في أزقة العيلفون جزءاً من الشارع.
مثلها كانت رائحة الخمر جزءاً من حفلات الأعراس، مثلما السجائر في أصابع الأولاد تعني دخول الرجولة.
ولا أحد في العيلفون اليوم ممن تجاوز الخمسين إلا وكان مغني الحفل في عرس والديه هو الجاغريو.
كان الرجل جزءاً من كل شيء.
وما يجمع هذا كله بشعر الجاغريو كان هو: النظافة.
بمعنى أنه لا أحد يتجاوز قط حدود الأدب.
لهذا كانت لقصائد الجاغريو الغزلية رائحة “الكلونيا” وعالمها. بينما لقصائد الغزل عند الآخرين رائحة “الدلكة” وعالمها.
كانت العيلفون حلة وأهلاً هي البيوت. والجاغريو كان هو القمر فوق البيوت. والقمر يرى ما في البيوت… لكنه قليلاً ما يكشف شيئاً للعيون.
ومدهش أننا لا نعرف قبر الشاعر الجاغريو.