د. هاشم حسين بابكر يكتب: محكمة

محكمة

د. هاشم حسين بابكر

كثر الحديث في المدينة عن عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد عن قيادة الجيش. أتدرون ماذا فعل أمير المؤمنين عمر؟ رفع أمير المؤمنين عمر شكوى قضائية ضد أمير المؤمنين عمر باسم خالد بن الوليد. وكانت مساجلات طويلة بين الاثنين في المحكمة تحتاج سلسلة مقالات طويلة. والمحكمة في أوجها جاءت رسالة سلمها ساعي البريد لرئيس المحكمة بوجود أمير المؤمنين عمر القائد الأعلى للدولة الإسلامية. هكذا يحترم القضاء، ففي المحكمة القاضي أعلى رتبة من حاكم البلاد وإن كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. قرأ رئيس المحكمة الرسالة على الحضور وقدمها لأمير المؤمنين عمر. جاء في الرسالة أن أسطول الروم رسى على مشارف جدة. وتحولت قاعة المحكمة إلى هيئة أركان حرب. وعين أمير المؤمنين عمر قائدا للجيش. وهنا تقدم خالد بن الوليد طلبا راجيا أمير المؤمنين بأن يكون جنديا عاديا في هذا الجيش وليس قائدا. خالد الذي أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقب سيف الله المسلول وعينه قائدا لجيش المسلمين يرجو أن يكون جندي نفر ليواجه جيش الروم. وعندما فرغت هيئة الأركان من تكوين الجيش وقادته وردت رسالة أخرى جاء فيها أن أسطول الروم رسى فقط للتزود بالماء وغادر المياه الإقليمية للدولة الإسلامية.
الشاهد في هذه القصة أن أمير الدولة الإسلامية يرفع قضية ضد أمير ذات الدولة باسم أحد رعاياه. وخالد سيف الله والقائد الفذ يطلب ويرجو أمير المؤمنين أن يكون جندي نفر في ذلك الجيش. قمة العدالة سطرها كل من رئيس المحكمة وأمير المؤمنين عمر وسيف الله ابن الوليد. نسي الجميع الخلافات الشخصية حين تعرضت الدولة للخطر. أي إخلاص هذا وأي إيمان.
والآن نجد بعض الخونة من المنسوبين إلى السودان زورا يستعدون المستعمر لإعادة استعماره مرة أخرى. وحضروا ليحكموا السودان ليس بصفة سودانية إنما بصفة جواز سفر أمريكي وبريطاني وفرنسي كل هذا مقابل الوطن. وخسر البيع. وقد رأيناهم أول الفارين في الطائرة التي أرسلتها أوروبا لنقل رعاياها. كيف دخلوا السودان هل دخلوه بجوازات سودانية أم بتلك التي خرجوا بها. إن كانوا قد دخلوا بجوازات سودانية فكيف يخرجون بأخرى أجنبية. عند خروج أجنبي من السودان أو أي بلد آخر يراجع تاريخ دخوله وفترة البقاء المسموح بها، ولا أعتقد أن السلطات قد تحققت من هذه المعلومات. كيف يدخل مواطن دولة بجواز سفرها ويخرج من ذات الدولة بآخر أجنبي. هذه فقط تكفي اعتقاله وتقديمه للمحاكمة وأول إجراء تتخذه سحب الجواز السوداني منه مع حظر جوازه الأجنبي من دخول السودان. لكن هذا لم يحدث.
بل إن الرباعية خططت وتخطط الاجتماعات بين هؤلاء والقيادة العسكرية التي تواجههم في ميدان القتال. مجرد جلوس القيادة العسكرية مع هؤلاء يعني اعترافا سياسيا بهم رغم حملهم جوازات أجنبية. والدولة لها الحق كل الحق في أن تطلب ممن يريد الحوار معها أن تطلب منه التخلي عن جوازه الأجنبي وإن رفض يسحب منه الجواز السوداني ويحظر دخوله أرض السودان. حتى وإن دخل السودان وهو مزدوج الجنسية لا يتولى منصبا حساسا ولا يتم استوزاره في أي وزارة. وفي السودان دخل هؤلاء وأصبح منهم الوزراء حتى رئيسهم.
في الجارة مصر لا مكان لحملة الجوازات الأجنبية في تولي وظيفة حساسة، وحتى في غير الحساسة لا يتولى منصب وكيل وزارة ناهيك عن رئيس وزراء ووزراء. لا يحدث هذا في أي بلد في العالم ورغم ذلك يحدث في السودان. رأيناهم في الدنيا يفر المرء منهم من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه في الدنيا فكيف حالهم في الآخرة ياترى. وهل يؤمنون أصلا بأن هناك آخرة وسؤال وعقاب. مرتزقتهم تم تسليحهم بأحدث الأسلحة الأمريكية وهاهي أمريكا تستجدي جيشنا المغوار ألا تقع هذه الأسلحة في يد منافسيهم. وغنائم الحرب لا تخضع لمساومات.
هل أرجعت أمريكا العلماء الألمان لألمانيا؟ وهل أرجعت ما استولت عليه من خزائن أوروبا من ذهب أو أرجعت اللوحات والمجوهرات التي لا تقدر بثمن لأوروبا؟ واليوم تلعب أمريكا دور عصاباتها التي تحمي من يدفع لها أكثر. ألم يعلنها ترامب نهارا جهارا أن على الدول العربية أن تدفع لنا حتى نقوم بحمايتها؟ أليس هذا هو أسلوب العصابات داخل أمريكا؟ تحمي أمريكا لمن يدفع أكثر.
وهنا سؤال يفرض نفسه، ألم تحلب أمريكا من قطر المليارات نظير حمايتها؟ ماذا حدث لقطر؟ ألم تعتدي إسرائيل عليها نهارا جهارا؟ أين مقابل ما دفعته قطر من مليارات طلبا لحمايتها من أي عدوان؟ إنه أسلوب الحماية السائد بين العصابات الأمريكية داخل أمريكا، يريد ترامب أن يطبقه على العرب. قطر كانت أولى محطات ترامب التي زارها وكانت أول من دفع مليارات الحماية الكذوب. وهاهي إسرائيل تعتدي على قطر، فهل تحركت عصابة ترامب لترد العدوان عنها وقد قبضت ثمن الحماية مقدما؟.
وكانت نتيجة الحماية الكذوب أن طبطب ترامب على أكتاف الزعماء العرب واعدا إياهم بأن هذا لن يحدث مرة ثانية. وماذا عن انتهاك للقانون الدولي؟ وماذا عن الضحايا الذين قتلوا وماذا؟ وماذا؟ وماذا؟ قطر دفعت المليارات طلبا لحماية أمريكا ماذا جنت؟ جنت طبطبة على الكتف من أمريكا ووعدا عرقوبيا بأن ذلك لن يحدث مرة أخرى.
العصابات الأمريكية تفي بما أبرمته من عقود دفاع وتحذر العصابات الأخرى من مهاجمة من احتمى بها. أما العصابة العالمية الكبرى تعقد اتفاقيات دفاع مع العرب وتشجع إسرائيل على العدوان على ذات العرب وتعطيها الضوء الأخضر. العصابات في أمريكا تلتزم بحماية من يدفع لها، ولكن عصابة الدولة الأمريكية لا تلتزم حتى بأخلاقيات عصابات الداخل الأمريكي. إن أمريكا هي من يعطي إسرائيل الضوء الأخضر للعدوان على أي بلد عربي وإن كان حليفا وإن دفع مقدما لأمريكا ثمن الدفاع عنه ليصبح أول من يتم العدوان عليه.