
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (بقايا رفات السودان تنبت)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(بقايا رفات السودان تنبت)
في الحكايات السودانية ما يدهش أكثر مما يوجع.
حكمدار النجدة يدخل عليه معلم مظلوم يشكو مماطلة الوزارة في حقوقه.
الحكمدار لا يجادل، فقط ينحني ويكتب خطابًا مختصرًا، ثم يستدعي ضابط صف. دقائق قليلة، والمعلم يجد نفسه داخل عربة نجدة، تتقدمها عربة أخرى تطلق صفاراتها لتشق الطريق.
عربات النجدة تدخل وزارة التربية والتعليم. الوزير يفتح فمه وعينيه دهشة، ثم يقرأ الخطاب على عجل، فيستدعي مدير مكتبه، وهذا ينطلق إلى الخزانة عاجلًا، والمعلم يستلم حقوقه عاجلًا.
هذا يحدث في السودان. ولا يحدث في غيره.
ونعود إلى مطلع التسعينيات، إذ كتبنا عن معلم آخر أرهقه الموظفون بالأفاعيل، فقلنا في بيت شعر لوزير:
“زعيمك ينجح لأنه يداوي بالجنون من الجنون.”
وكان السودان يومها يبني.
والآن، بعد ثلاثين عامًا، البناء يتكرر في كسلا… بنفس الجنون الجميل.
(٢)
في عام 1970 انقطع التيار الكهربائي في نيويورك.
في نصف دقيقة فقط، تحوّلت المدينة إلى غابة.
الناس يهاجمون أقرب الناس إليهم. كل ضعيف ضُرب، كل مال نُهب، كل امرأة اغتُصبت، كل متجر سُرق، كل عربة أُحرقت… كل إنسان أخرج الوحش الراقد فيه.
أما في السودان، فالتيار قد ينقطع ساعة أو يومًا أو حتى أسابيع، وما يحدث ببساطة: الناس يجلسون أمام بيوتهم، يشربون الشاي، ويتسامرون.
السودان لم يكن يعرف كلمات مثل: اغتصاب، نهب مسلح، اغتيال.
لكن هذا كله جاء في يوم واحد… في عشرين ساعة فقط.
ومن جاءوا به (قحت) يطلبون اليوم نصيبًا في السلطة، ومعهم متعاونون يمدّون رؤوسهم!
إن أدهشك هذا فأنت لا تعرف العالم اليوم.
العالم الآن يتجاوز الغزو الصليبي إلى “الماسونية المسلحة”.
ولو شئنا تجاوز الشكوك والظنون، يكفي أن نقرأ تاريخ الكنائس الغربية:
لوثر يبدّل الكاثوليكية، وكالفن يبدّل اللوثرية، وهنري الثامن يستبدلها بالأنجليكانية، وجون سميث يقيم كنيسة جديدة، وويليام ميللر يقيم كنيسة أخرى… وهكذا دواليك: أدڤنتست، شهود يهوه، مورمون، ميثوديست، بنتوكستال… كل كنيسة تحكم على الأخرى بالكفر.
لكن الإشارة ليست للكنيسة بحد ذاتها.
الإشارة أننا نعيش زمن الغليان.
غليان… غليان… غليان العالم.
ونحن في سفينة تتهادى نحو الغرق،
مالم نتمسك بالذي أوحي إلى صاحب البراق.