
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (يوم في حياة كاتب)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(يوم في حياة كاتب)
وأشعر بالحزن الشديد على الناس وأنا أقرأ أحداث الحرب العالمية الأولى والثانية.
وكل شيء هادئ في الميدان الغربي رواية تفوز بنوبل لأنها رسمت البشاعات الهائلة للحرب في جمل صغيرة.
وفي حكاية جندي نفر هناك…
والرواية ترسم الأشياء الإنسانية الصغيرة. وكريج بعد قضاء حاجته تحت شجرة يقول:
«هذا… في البيت صحي… لكنه هنا… جميل».
وكريج تزوره زوجته في عنبر المصابين المزدحم وهناك الجنود المصابون ينطلقون في كورس صاخب من التصفيق والضجيج لإخفاء صوت لقاء الزوجين.
وكريج يزور صديقه المصاب في الجراحة ويسرق حذاءه لأن المصاب ما زال لا يعلم أن أقدامه قد بُترت.
والرواية تحكي الإرهاق، والجنود من الجانبين وفي الخنادق المتقاربة يهجمون ثم يرجعون، ثم يهجمون ثم يرجعون، يوم وأيام وأسابيع ولا أحد يكسب متراً…
وسنوات… وسنوات….
والهدنة تُعلن، وقائد الجهة الغربية يكتب في اليوميات: (كل شيء هادئ في الميدان الغربي) ففي اليوم ذاك لم يكن هناك إلا رصاصة واحدة…
الرصاصة قتلت كريج.
……
وفي الاتحاد السوفيتي ما يقف عنده التاريخ ليس هو إعدام ونفي خمسين مليون مواطن/ سجن وإعدام ثم البحث عن التهمة فيما بعد…
وناظر محطة في موسكو، واحد من الملايين هؤلاء حين يقدونه من مكتبه للإعدام يظل يردد:
«لكن… لماذا؟ لكن… لماذا؟»
ما تقف عنده الصفحات هو أن:
المكتب المركزي للحزب الشيوعي أعضاؤه مائة وثلاثون… ثمانون منهم أُعدموا بتهمة أنهم أعداء الشعب… وخمسة أصيبوا بالجنون… وعشرة يتظاهرون بالجنون.
وستالين من نافذة عربته يقول لأحد هؤلاء وهو يجلس عارياً في الشارع:
«أنا أعلم أنك تتظاهر بالجنون… لكن أليس ما تفعله بنفسك أقل مما كنت سوف أفعله بك؟»
والكتب تسرد أسماء الرفاق القادة الذين كانوا يتولون صناعة الاتهامات والمحاكمات والإعدام، هؤلاء يتلقون الحكم ذاته بعد شهور.
…….
وليس الإعدام ولا المعسكرات في الجليد والأمراض هي ما يوجع…
ما يوجع هو بؤس الناس هناك….
…….
(2)
وحتى نتنفس بثقب شيء آخر نذهب إلى علم النفس:
وأنت تدخل مكاناً لم تدخله من قبل لكنك تشعر أنك كنت هنا يوماً.
وأنت تشهد حدثاً يقع وتشعر أنك رأيت هذا الحدث من قبل… وإلى درجة أنك تعرف ما هي الخطوة القادمة…
والخطوة القادمة تقع كما خطر لك.
قالوا: شواهد كثيرة تقول إنك ترث ذاكرة جدك، أو ذاكرة جده هو.
وترى شخصاً لم تلقه من قبل… فتشعر بحب واضح له… ولعلك تجد في تاريخكما لقاء وحدثاً صنع هذا الحب.
وأنت تلقى شخصاً في عموم أو خصوص فتشعر بنفور لا تجد له سبباً، ثم يتبين سبب فيه هو الذي يطل عليك ويصنع هذا النفور.
والأرواح جنود…
وقد ظللنا نحمل نفوراً كاسحاً من علي الحاج.