
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الخروج من عنبر جودة)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(الخروج من عنبر جودة)
وعنبر جودة كان غرفة ضيقة لا نوافذ لها. وفيها أقام مئات المعتقلين، واختنقوا وماتوا. ومن عاش منهم كان يحيا لأنه وجد ثقبًا في الباب يضع عليه أنفه… وقبل ثقافيًا، كان السودان في عنبر جودة يبحث عن معنى وعن الله سبحانه…
الآن حكايات العالم تقول إن من يبحث عن ثقب الباب هو العالم كله، والكتابات الإسلامية تنتشر لهذا السبب. ومما طُبع في السبعينات كتاب ابن فضلان. ابن فضلان أرسله الخليفة العباسي إلى شمال روسيا ليعلم الخزر الإسلام… والرحلة مؤلمة (أحد عشر شهرًا في الجليد). ومن غرائبها أن الناس هناك إذا مات الزوج جعلوا الزوجة في البيت، وأصدقاء الزوج يدخلون عليها واحدًا واحدًا، جنس كامل… وكل واحد منهم يقول لها: “أبلّغيه أننا نحبه.” ثم أربع نساء يدخلن عليها ويقمن بخنق المرأة حتى الموت…
ومن حكايات الروح أن مصورًا سويديًا كان يتجول في الهند، وفي يوم ماطر يجد طفلة في السابعة تندفع من بيت خشبي عجوز، تجرى تحت المطر ثم ترفع وجهها إلى السماء وإلى زخات المطر في بهجة عارمة… فالمصور يلتقط المشهد، وتصبح الصورة صورة العام، والدولة تبذل له مكافأة سخية. والرجل يعود إلى الهند وإلى الطفلة ويصب المال على أهلها. هذه الطفلة لو أنها لم تخرج هناك في لحظة عبور المصور، ما حدث هذا… العالم الذي يبحث في السنوات الأخيرة عن الله يلاحظ أن لحظات صغيرة هي التي تدير القدر…
وفي السودان يعودون الآن إلى اللحظة الأخيرة هذه… ويعيدون الحديث عن الطيار المقاتل طلال على الريح. طلال كان يفاجئ بالضربة الأولى للجنجويد — الضربة التي فعليًا احتلت العاصمة بكاملها — والرجل يدخل طائرته القديمة التي لا تحمل الصاروخ الواحد، وينطلق ويدمر مبنىً من تسع طوابق، ويبدل بهذا مسار الحرب. كان المبنى هو مركز اتصالات الجنجويد. ولو أن طلال تردد في الساعة تلك لكان الدعم الآن في الخرطوم…
وحملة في العواصم الآن إن هي نجحت شفت السودان من السرطان. الآن حملة ضد الجريمة واعتقالات ممتدة ومحاكمات لا تحتمل بعض المحامين… واعتقالات تفرز نوعًا يقتل في أي دولة في التاريخ كله… الخونة الذين باعوا أهلهم ودينهم…
وفي التاريخ أيام صلاح الدين الأيوبي يدخل شيخ على صلاح الدين ليقول: “سمعت يا مولاي أن ابني قد خان دينه وأصبح جاسوسًا للعدو… هل صحيح ما سمعت؟”
قال صلاح الدين: “نعم، صحيح…”
قال الشيخ: “لا تقتلوه… أنا لا يبرد حرقة كبدي إلا أن أذبحه بيدي.”
والشيخ يخرج… والابن الجاسوس يخرج من وراء الستار (كان صلاح الدين قد أعفى الخائن هذا من القتل لقاء استخدامه لخداع العدو). وصلاح الدين يقول للجاسوس: “سمعت؟” وهذا يقول: “نعم.” وصلاح الدين يقول له: “اذهب… فالقتل لمثلك راحة لا نعطيها له…”
الخائن حسرته الكبرى أنه… لا دنيا له ولا آخرة.