أحمد الشريف يكتب: لماذا وزارة للري؟

كتابات

أحمد الشريف

لماذا وزارة للري؟

ميرغني حمزة أول وزير للري في حكومة الأزهري، وهي وزارة في كل الحقب تُعتبر من الوزارات السيادية لما لها من أهمية، ليس للزراعة وحدها حتى تُدمج في وزارة الزراعة. فلم يُدمج الري في الزراعة إلا مرتين في فترة الإنقاذ… وفشل الدمج.
فوزارة الري لا تعني السدود والخزانات والمشاريع الزراعية فقط، فهي وزارة تشمل كل ما يمتلكه السودان من موارد مائية، والتي لم يُستغل منها إلا القليل جدًا.
وجود وزارة — خلونا نسميها: وزارة الموارد المائية — ونُسقط اسم (الري) الذي لا يستسيغه البعض، أمر مهم.
ملف المياه في السودان يسجل دشيولونات من الأمتار المكعبة من المياه في حوض النوبة الجوفي في الصحراء الممتد إلى ليبيا (النهر الصناعي)، وملايين الأمتار في حوض البقارة بقريضة جنوب دارفور، الذي بدأت فيه شركة صينية لحل مشكلة مياه نيالا ثم توقف بسبب الحرب. وهناك أيضًا حوض بارا الجوفي.
والشيء بالشيء يُذكر: فقد حاضرنا في الكويت بروف عراقي قام بإعداد دراسة لمصنع سماد، فكانت الأبيض حسب دراسة الفريق موقعًا للمشروع للأسباب:
١- وجود المصفاة.
٢- الأبيض موقعها في وسط السودان.
٣- مياه حوض بارا.
وهنا نقف لربط الموارد المائية بالنشاط الصناعي الذي يحتاج بشدة إلى المياه، وكذلك الأنشطة الأخرى غير الزراعة، مثل التعدين والثروة الحيوانية وغيرها.
وأظن أن مشاريع حصاد المياه التي قامت بها هيئة السدود في فترة الإنقاذ — مثل سد بوط بالنيل الأزرق وسد السنوط بغرب كردفان — كانت انطلاقة للاستفادة من 400 متر مكعب من مياه الخيران التي تضيع هدرًا في فصل الأمطار في كل السودان.
فهذه ثروة مائية تحتاج إلى وزارة تستغلها، فهي أغلى من الذهب والبترول.
وللسودان خبرات تراكمية في هذا المجال، وعقول عملت وما زالت تعمل في المؤسسات العالمية في مجال الري وعلومه الأخرى. وللتذكير: فإن أول وزارة للري في تنزانيا كانت بفكرة من المهندس يحي عبد المجيد وزير الري في مايو، حيث تم ابتعاث مهندسين سودانيين فأسسوا وزارة الري التنزانية.
السودان تجري فيه ١١ نهرًا بين أنهار دائمة الجريان وأخرى موسمية، وهذه الثروة الغالية تحتاج إلى تطوير والمحافظة عليها للأجيال. فالحرب الدائرة الآن حرب مياه… وعلينا أن نفهم أن الكل طامع في هذه المياه: دول الجوار، أمريكا، دول الغرب، وحتى إسرائيل الظامئة.
فالري وزارة سيادية بأبعادها الخارجية والاقتصادية والأمنية، سواء داخليًا أو خارجيًا. فهناك أنهار دائمة وموسمية تصب في السودان، والدائمة تحكمها اتفاقية مياه النيل. والفيضان هذه الأيام يندرج فنيًا في اختصاص الري.
لذلك لا بد للحكومة أن تنظر الآن بعين الزرقاء لا بعين (الحولاء). فالدبلوماسية بحاجة إلى أهل الاختصاص، والمفاتيح عند الري.
لننظر بعين كلية وبعمق. فنحن في عالم يرانا فريسة سهلة الاصطياد، عالم تحكمه المصالح لا أيديولوجيات الحرب الباردة.
ولنا أنهار تصب في دول جوار مثل تشاد، حيث يجري نهر (أزوم) الموسمي المتدفق من جبل مرة. فهل هناك اتفاقية بين الدولتين حول مياه هذا النهر؟.
وإذا تم إنفاق، فالاختصاص لوزارة الموارد المائية. وهناك (يابوس) بالنيل الأزرق يجري من الشمال إلى المابان في جنوب السودان.
فلننظر للمستقبل!.
ومن هذه المعطيات، يتوجب فيما أرى وجود وزارة مستقلة للموارد المائية، عطفًا على أن تداعيات الفيضان وما تبعها من أضرار تفرض مراجعة اتفاق سد النهضة بتحرك دبلوماسي تسنده وزارة مختصة. فهذا هو المطلوب.
فللضرورة أحكام. وأن تأتي متأخرًا خير من أن لا تأتي أبداً.