إسحق أحمد فضل الله يكتب: (دان مسف فوق الأرض هيدبَّه، يكاد يدفعه من قام بالراح)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(دان مسف فوق الأرض هيدبَّه،
يكاد يدفعه من قام بالراح)

 

الشاعر يصف سحاباً ثقيلاً.
والتصحيح بالذكاء الصناعي يعيد صياغة البيت ويقول:
الشاعر يقول: المطره قربت!
…..
إيجاز الناس لبعض المجادلين يقول:
(أحدهم يزعم أنه يرى في الظلام. ولما كان يمشي يوماً مع آخرين في الليل في الخلاء، يقول أحدهم لشيء أمامهم إنه صقر. وهذا الذي يحب الجدال يقول: لا… هذا عتود. ويطول الجدال، وفجأة السواد أمامهم يفرد أجنحة ويطير. ومن يحب الجدال يقول بقوة: “أكان طار عتود!”)
والحكاية المعروفة يجعلونها إشارة لنوع من المجادلين. وفي أيام المواقع والجدال تعود الحكاية هذه إلى الناس.
…..
والسائح في الصين يرى اثنين من الصينيين يتجادلان بحدة غاضبة جداً. فيقول السائح لمرافقه: سوف يقتتلان.
والمرافق يرد: لن يقتتلا… فعندنا أن أول من يقوم بالضرب يكون قد اعترف أن حجته خاسرة.
…..
(2)
أيام كان للدنيا طعم كنا نقرأ ألف ليلة وليلة.
وفيها: السندباد ومن معه يهبطون جزيرة وسط البحر… وعليها الأشجار والأحجار. ويشرعون في إعداد الطعام. ولإعداد الطعام يشعلون ناراً… وفجأة الجزيرة تغوص بهم في البحر! ويكتشفون أن الجزيرة لم تكن إلا حوتاً كان نائماً منذ عشرات السنين… سنوات تكفي لإنبات الأشجار على ظهره. وأن إشعال النار هو ما أيقظ الحوت من النوم.
والآن… النار لعلها توقظ السوداني الذي ظل نائماً… نائماً… نائماً… لكن: ترى لو أن السودان استيقظ، وتلفّت ورأى العالم اليوم وما بلغه، ورأى حاله هو… وأين هو العالم… ألا يغوص إلى قاع القاع؟

…..

أيام صراع الانتخابات كان العلمانيون يدخلون كل جحر بحثاً عن الناخبين. وجلسوا إلى بائعات العرقي وقالوا لهن: “إن فاز الإسلاميون منعوا صنع العرقي، وانقطع رزقكن.” وبالفعل صدّقن هذا.
والإسلاميون تسللوا إليهن وقالوا: “إن فاز العلمانيون استوردوا خمور أوروبا وبارت بضاعتكن.” وصدقن…
والانتخابات فضاحة. ففي أيام “الميني جوب” كانت جامعة النيلين (المعهد الفني يومها) تزدحم بصاحبات الميني هذا. وكان الصراع مخيفاً.
وليلة فرز أصوات الناخبين في انتخاب الاتحاد كانت ليلة طويلة، لم يرجع أحد فيها إلى أهله. وفي الثالثة صباحاً خرج أحد الذين كانوا في غرفة الفرز وسط الميدان يهتف بقوة: الله أكبر!
والشيوعيون يصيحون في ذعر: الله أكبر كيف؟؟ مش هزمناهم؟
كانت صاحبات “الميني جوب” قد أعطين أصواتهن للإسلاميين. وكان الشعور عندهن وعند كل أحد أن الرقص والهزل والصحبة… شيء ممتع بين البنات والأولاد اليساريين. شيء ممتع في كل وقت… إلا في وقت الشدة… ففي وقت الشدة لا ينفع إلا الإسلاميون.
…..
وكانت أركان النقاش ميداناً للذكاء فقط. ومما يحفظه الناس أن الجدال كان محتدماً بين واحد من قادة الإسلاميين وبين كومة من الشيوعيين.
وفتاة تدخل فجأة وتقف وسط الحشد وتصيح:
“هوووي… الكوز دا، العامل فيها سيدنا فلان، الزول دا راودني أنا عن نفسي!”
وصاعقة…!
فالاتهام، الذي يبلغ درجة أن صاحبته هي التي تعلنه، اتهام لا يمكن دفعه مهما فعل المتهم.
والحشد يظل يصرخ في وجه الكوز:
“رد… رد…!”
وهذا يصمت ساعة. وحين يحرك شفتيه يصمت كل شيء وينصت.
والكوز يقول وكأنه يعترف:
“الحقيقة… آآآ… الحقيقة… أنا راودتها… وهي… قبلت.”
والصاعقة الأكبر تنفجر!
والحقيقة هي أنه لم تكن هناك مراودة، ولا قبول، ولا… لكن الصراع له منطقه.
السودان هذا… ذهب.