الحاج الشكري يكتب: الدكتور إيلا الذي عرفته

نقطة سطر جديد

الحاج الشكري

الدكتور إيلا الذي عرفته

 

معرفتي الحقيقة بالدكتور محمد طاهر إيلا كانت قبل أكثر من خمسة عشر عاما. أول معرفتي به حدثت بموقف شهدته صحيفة ألوان الغراء، بحكم أنني من أبناء ولاية القضارف كنت كثيرا ما أكتب عن قضايا شرق السودان وأذكر ذات يوم دعاني السيد رئيس التحرير أستاذنا حسين خوجلي وكلفني بصفحة أسبوعية عن شرق السودان وقال لي في تلك الجلسة من جلسات الشريف الحسين التي لا تخلو من الطرفة والنكتة والامتاع قال لي سميها: (الشرق القادم) بشرط أن لا تأخذك هذه المولودة الجديدة عن مساهماتك في قسم الشؤون السياسية. قال لي ذلك وهو يناولني أمر التكليف ذهبت به ووضعته بين يدي مدير التحرير. وأذكر لم يمر على تحرير هذه الصفحة أكثر من شهر ونصف حتى وصلتني دعوة من مكتب الدكتور محمد طاهر إيلا والي ولاية البحر الأحمر في ذلك الوقت بالحضور إلى بورتسودان عروس البحر وعاصمة الولاية. وقد تم التنسيق وتحديد كيفية السفر وأذكر كان من المفترض أن أسافر يوم الثلاثاء إن لم تخني الذاكرة، ولكن كانت المفاجأة بأن اقتحمت تاتشرات صلاح قوش مباني صحيفة ألوان وأحتلتها وأمرت كل الزملاء الأعزاء بترك أمتعتهم ومغادرة الصحيفة فورا حسب التوجيهات الصادرة من رئاسة الجهاز في ذلك الوقت. لم أكن موجودا في ألوان لحظة دخول ضباط وأفراد الجهاز، لكن أخبرني بذلك الأخ الحبيب صديق عبد الله رئيس قسم الأخبار بألوان وهو من كوادر حزب الأمة الخلوقين والطيبين النادرين. ولعل هذه من الصفات التي تميز بها الأستاذ حسين خوجلي دون غيره من الناشرين، إذ تجد في صحيفته كل ألوان الطيف السياسي دون حجر على رأي أحد من الزملاء أيا كان حزب أمة أو إسلامي أو اتحادي أو حتى شيوعي. بعد هذا الحادث مباشرة اتصلت بمكتب الدكتور محمد طاهر إيلا وأبلغته اعتذاري عن تلبية الزيارة المحددة وأخبرتهم بالتطورات التي حدثت في ألوان، وأن صحيفتي أصبحت موقوفة بأمر السلطات الأمنية وأن الأخلاق تحتم علي أن لا أذهب إلى صحيفة أخرى في هذا الوقت بالتحديد. بل من الواجب أن أقف بجانب الأستاذ حسين خوجلي حتى تزول هذه الغمة والظلم الذي وقع على كل أسرة التحرير. هذا ما قلته لمكتب الدكتور إيلا وهم تفهموا الموقف تماما إلا أنهم سرعان ما عاودوا الإتصال مرة أخرى وقالوا لي إن السيد الوالي الدكتور إيلا قال لهم ان هذه الدعوة يتم تقديمها لي بصفة شخصية وليس بصفتك الصحفية وأمرهم أن لا تؤجل هذه الزيارة. شكرتهم على ذلك وحملتهم أمانة إيصال صوت شكري للدكتور إيلا ومع شروق شمس اليوم الثاني وجدت نفسي في بص سياحي متجه إلى مدينة بورتسودان والتي حملتني على أرضها خمسة عشر يوما أستقبلوني في محطة الوصول ونقلوني لفندق وسط المدينة وأعطوني عربة وسائق وقالوا لي لك مطلق الحرية أن تتجول في هذه الولاية. وللأمانة والتاريخ رأيت فيها إنجازات عظيمة فعلها رجل عظيم بعقل تفجر من مكمنه الباطن لينقل بورتسودان من مجرد مدينة صغيرة، لا تلفت نظر أحد إلى مدينة سياحية جذبت السياح وأدهشت الأنظار. مدينة رائعة وجو أكثر روعة وحياة حضرية كريمة.
كان الدكتور محمد طاهر إيلا هادئ كالبحر في شتاء الانجليز وعبقريته الحقيقية ظهرت لصناع القرار بل لكل الناس عندما كان واليا على البحر الأحمر. فكان بأفكاره وانجازاته الوالي الألمع بل كان نجم الولاة، الأمر الذي أوصله بأن أصبح رئيسا للوزراء في فترة لاحقة.
في تلك الزيارة شاهدت كل الطرق مسفلتة ومنارة بشكل رائع حتى داخل الأحياء الفقيرة، وشاهدت نقلة شملت كل المجالات. ومن ذلك الوقت توصلت لقناعة راسخة في نفسي أن الدكتور محمد طاهر إيلا إنسان وطني، عفيف النفس، طاهر القلب، نظيف اليد. أو يمكن القول بأنه ثري أخلاق جعلته كالغيث النافع أينما ذهب نفع. اللهم ربي أرحم الدكتور محمد طاهر إيلا بقدر ما قدم لوطنه، ولانقول في النهاية إلا مايرضى الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.