
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (نثار سيرة بلد وزول)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(نثار سيرة بلد وزول)
والطبع غير التطبع…
وفجرًا الشاعر محمد عبد الحي يسمع عراكًا أمام بابه، ويجد شرطيًا يعارك لصًا. وعبد الحي يفصل بينهما، ويجعل الاثنين يجلسان على الأرض والشاي يأتي من الداخل… ومفاوضات… أنظف مفاوضات في الدنيا تنتهي بتعهد من اللص بالتوبة وتعهد من الشرطي بالانصراف.
السوداني هو هذا: صلحًا وحلًا للمشاكل.
ثم السوداني عنده حل آخر. ففي شرق النيل في الخمسينيات… والأمن كان غائبًا… كان أحدهم يجد نفسه محاصرًا بمن يريدون النهب، ويفشل في إقناعهم بتركه. عندها، الرجل النحيل القليل يكرب ثوبه حول خصره ويهز عكازه، ثم يقول لهم وهو يتمتم:
“شوفوا… إذا كنت أنا وقعت تحتكم، الله لا يعفو عنكم إن عفيتوني… وإذا كنتم وقعتم تحتي، الله لا يعفو عني إن عفيتكم…”
وتركوه.
والحكاية يترجمها على السطر مشهد آخر: ففي الحكاية أن شابين يقتتلان، واحدهما يعصر حلقوم الآخر بقوة، وبعد قليل، المعصور هذا يقول للآخر:
“ها زول… الشكل عرفناه… الكتل فوق شنو؟”
السوداني هو هذا.
……
ومشاهد أخرى تترجم هذا… مشاهد كنا طرفًا فيها. ففي العام الثالث لتمرد في الغرب كنا نجد من يدخل مكتبنا ليقول: “أنا فلان…” وكنت أعرفه فهو أحد قادة التمرد. وحين ظللت صامتًا مضى هو ليقول: “في بحثنا عن اتصال بالجيش قالوا لا أحد يمكن أن نضمنه إلا إسحق فضل الله… نحن نريد الحوار مع الجيش.”
بعد أيام كنا نجلس في مقهى مستشفى رويال كير. فلا شيء يضمن السرية أكثر من مكان عام يدخله كل أحد. وننقل حديث وفد التمرد إلى الجيش. وبعض القادة يرفض الحوار؛ لأنه يظن أنه آمن في مخبأ بعيد. والرجل نجعله يجد في المقال الذي نكتبه وصفًا يصل درجة أن أين يرقد سائق عربته في هذا اليوم مريضًا.
……
ومن النثار عن السوداني والتعامل ندخل يومًا مكتب المرحوم عبدالله أحمد عبدالله رئيس المحكمة الدستورية، الرجل الثاني في البلاد دستورياً، والأول فعليًا؛ فقد كان هو مستشار البشير العبقري. ندخل ونجد عنده مدير الداخلية يشكو من أن منطقة جنوب الخرطوم تصبح مملكةً لمجرم معروف، وأنه لا شرطي الآن يدخل هذه المنطقة؛ لأن من يدخل من الشرطة… لن يخرج. وعبدالله يستمع… ويستمع. وشيء مدهش يقع: مولانا عبدالله يدعو سائق عربته ويأمره أن يقود عربته هذه، وأن يفرد على العربة علم الدولة وشارة المحكمة الدستورية، ثم عليه أن يطوف الطرقات هناك يسأل ويعرفهم بأنه مرسل من رئيس الدستورية بدعوة إلى فلان… وأنه يبحث عن بيت الرجل هذا. والسائق يفعل… ولحظات والحشد يتبع عربة الدستورية إلى أمام بيت الرجل. وهذا يخرج متبختِرًا… رغم أنه كان يعلم أنه ذاهب إلى السجن… لكن الشعور بالفخر قاهر وغريب. وبالفعل… الداخلية التي كانت تستعد لاقتحام الحي بالسلاح تجد الرجل جالسًا في هدوء يجاذب رئيس الدستورية الحديث والقهوة.
نموذج ثالث للسوداني.
……
وأستاذ عربي: نرسم لك السودان وأحداثه في كلمات لأننا نتبع أسلوب مصطفى أمين. ومصطفى يحاضر طلاب الإعلام ليقول: “الدواء كان زجاجة كبيرة تشربها… والآن الدواء كبسولة صغيرة. والراديو كان صندوقًا ضخمًا… الآن الراديو في حجم ساعة اليد. والمائدة الضخمة انتهت… الآن ساندوتش.”
قال مصطفى للطلاب: “كل شيء الآن أسرع وأصغر وأقوى… والكتابة مثل ذلك.”
وتشكو أستاذ من خطر يدب تحت الأرض، ويدهشك أنه لا أحد يشعر به. والحقيقة يا أستاذ هي أن الأمر يتجاوز الشعور إلى صناعة كبسولة الدواء والاختصار وعدم تلويث الجرح؛ أشياء تجعلنا نقول لك: امرأة تسأل وزير دفاع أمريكا أيام كان الصراع شديدًا تسأله عن هذا الخطر، والوزير يقول لها: “سيدتي… اطمئني. في قريتنا كان هناك جسر قديم فوق هاوية… والجسر كان خطرًا إلى درجة تجعلُه آمنًا؛ آمن لأن الجسر كان شيئًا لا يحاول عبوره إلا مجنون…”
فهمت يا أستاذ؟
والآن الخطر في الخرطوم — بعد الذي شاهده الناس في العامين الأخيرين — الخطر الآن في الخرطوم هو جسر لا يحاول عبوره إلا مجنون.