
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (نثار… وحوار)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(نثار… وحوار)
أستاذ،
نكتب مطوَّلاً عن تلافيف صراع المخابرات… والمعركة التي ما زالت تشتعل.
نكتب… ونقرأ، ونجد أن معرفة الأحداث بعد وقوعها شيء لا يقدم ولا يؤخر.
ونطلب إقامة الدولة… ونقرأ، ونجد أن كل طفل يستطيع أن يطلب ويطالب.
الكتابة إذن هي شيء يكاد أن يتبخر الآن تحت صهد العالم المجنون هذا… هل يلتفت المجنون إلى الكتابة؟
…….
نقرأ كتبًا ونجد أنها كانت نبوءات تتحقق.
وزمان الأدب قالوا عن كتاب الأصفهاني: لا يوجد مثقف لم يقرأ هذا الكتاب.
وفي الثمانينيات، أيام الحرب الباردة، قالوا عن كتاب أورويل (مزرعة الحيوانات): لا يوجد مثقف لم يقرأ هذا الكتاب.
والكتاب يصلح للحديث لأنه نسيجه هو السياسة والمخابرات، والأدب، والتنبؤ.
وفي المزرعة (هي الاتحاد السوفيتي) كانت الصور هي: صاحب المزرعة يلتقط الجراء (الكلاب الصغيرة) ويقوم بتربيتها شرسةً كل الشراسة ويعدها لحراسته هو. وشاوشيسكو كان يلتقط الأطفال مجهولي الأبوين، ويجعلهم شبابًا شرسين؛ ربّهم هو الزعيم.
وفي الرواية يقوم الحزب بقصف المدن كل فترة بدعوى أن العدو هو الذي يقصف المواطنين لإيقاف (التقدم الهائل والرفاهية التي يقدمها الزعيم للشعب).
والدولة تقصف الشعب للاحتفاظ بالحرب.
والاحتفاظ بالحرب الهدف منه هو تمزيق كل من يفتح فمه بكلمة باعتباره عدواً يخدم العدو.
(هل خطر لك؟ هتافٌ شهير ينهر كل أحد بدعوى أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة؟).
وفي الرواية… هناك البغل.
والبغل كلما وجد أن الدولة تغوص كان يقول لنفسه: “الحل هو المزيد من الإنتاج…”
والبغل يعمل أكثر ليزيد الإنتاج.
وفي النهاية يُذبح البغل ويُطعمون لحمه لكلاب الحماية…
و… أستاذ،
لا نكتب أخبار البلد والعالم حتى لا نزيد بلاوَك… لذلك نتجه إلى القصة والحكاية، مثلما يهدهدون الطفل الباكي حتى ينام.
…..
نقرأ كتابات قديمة وحديثها ونجد أن العالم يعيد الحكايات بأزياء حديثة.
فأنت تجد أن الملك/المخلّص حين يجد أن سقراط ينهال عليه بالنقد يتنازل لسقراط هذا ليقوم بالإصلاحات التي يطالب بها.
وبعد شهر واحد الملك يطارد سقراط بالكرباج؛ يطرده لأن الدولة انهارت تحت أحلام وفلسفات سقراط.
وفي الستينات في بيروت يعيدون صياغة الحكاية في مسرحية، والملك يتنازل سرا لشحاذ حتى يصبح هو الملك… والملك يرتدي ملابس الشحاذ ويجلس مكانه في زاوية الطريق.
وبعد شهر أو أقل كان المشهد هو: الشحاذ يطارد الملك ليعيد للملك حاله ويستعيد من الملك ملابسه وزاويته. ومن يهرب من ذلك هو الملك.
ليدهشك أن من يفعل الفعل هذا نفسه هو أحد ملوك اليونان، مع زيد بن عدى قبل الإسلام بقليل، والحكاية عند أب كثير.
……
أستاذ،
الكتابة عن الأحداث الكبيرة الآن هي شيء له شكل الغابة… أشجار ضخمة متفرعة… وما نكتبه نحن باختصار هو (البذور) التي نبتت منها هذه الأشجار.
والبذور صغيرة، خفيفة، ولها شكل القصة.
…….
ومن القصة الخفيفة: في الحديقة، في لندن كانت المرأة الضخمة البشعة تمشي ومن خلفها زوجها النحيل البائس.
كان واضحًا أنه مثل الذبابة في شبكة العنكبوت… ولحظات، والمراة تشتبك في مشاجرة، والأخرى التي تتشاجر معها تضربها وتجعل أنفها يدمى.
ثم اعتقال وتحقيق، وكنت أنا من الشهود. وأمام المحقق كنت أنظر إلى الزوج البائس وأقرر الانتقام له.
والمحقق حين يسألني عما رأيت أتبنّى التظاهر بأنني لا أعرف الإنجليزية جيدًا وأقول، وأنا أشير إلى المرأة الضخمة: “لماذا كانت هذه المرأة البشعة…”
والمحقق العجوز الرقيق يقاطعني ليقول: “هل هذه هي الكلمة المناسبة؟”
وأنا أستدرك، وكانني أُصحح نفسي لقول: “آه… القبيحة.”
فالمحقق يقول لي بهدوء: “هل تعرف معنى هذه الكلمة هذه؟”
وحين أصحح نفسي أقول: “الشرسة.”
والمحقق يكتب: “يؤجل التحقيق حتى حضور مترجم.”
وعند الباب كنت أحدث شخصًا إنجليزيًا، والتفت لأجد أن المرأة تتابعني في دهشة وأنا أتكلم الإنجليزية بفصاحة.
والمرأة تقول لي في ألم: “إذن، فأنت تجيد الإنجليزية! إذن فأنت كنت تعني ما تقول عن أنني بشعة.”
كانت تتحدث بألم عميق.
والزوج ضحكته الشامتة تكشف لي في لحظة أن من كان يذيق الآخر المرائر هو الزوج، وأن المرأة هي الضحية.
المراة حين أحنت رأسها وابتعدت وهي تبكي عرفت أي خنجر غرسته في كبدها.