يوسف محمد الحسن يكتب: الهلال .. حين يغنّي المجد بلون السماء!

تحت السيطرة

يوسف محمد الحسن

الهلال .. حين يغنّي المجد بلون السماء!

ليس في كرة القدم ما هو أبهى من لحظةٍ يتوشّح فيها النصر باللون الأزرق، ولا في الملاعب ما يوازي بريق الهلال حين يقرّر أن يمنحنا أمسية من الجمال الخالص.
من جديد، يعود سيد البلد ليؤكد أنه لا ينتظر ضوءاً ليسطع، فهو الضوء ذاته، وأن المجد حين يهمس بلغةٍ سودانيةٍ خالصة، لا ينطق إلا باسم الهلال.
في امسيةٍ زرقاء مشعّة، إنتصر الهلال على البوليس الكيني بهدفٍ رائع من كوليبالي، هدفٍ جاء كالعطر في نهاية القصيدة، وكالابتسامة التي تُنهي تعب الأيام، ليضع الهلال قدماً في المجموعات، ويزرع الفرحة في قلوب الملايين.
منذ صافرة البداية، كان في المشهد شيء من السحر الأزرق.. إنسياب التمريرات، وإنضباط الخطوط، وإصرار الرجال على أن يكونوا على قدر الاسم والتاريخ.
كان الهلال هو الفريق الأكثر هدوءاً، والأوضح رؤيةً، والأجمل أداءً، لاعبوه تحرّكوا بإيقاعٍ متناغم، وكأن بين أقدامهم خيوطاً غير مرئية تربطهم بحلمٍ واحد أن يُفرحوا هذا الشعب الذي لا ينام على خيبة.
دفاع الهلال بدا كقلعةٍ حصينة، لا يُخترق ولا يتزعزع، يقوده نجوم يعرفون قيمة الشعار، ويؤمنون أن المجد لا يُمنح إلا لمن يجزل العطاء.
وحارس المرمى، ذاك الهادئ الرزين الذي يجعل الجماهير تطمئن وهي تراه يحرس الشباك بثقة الملوك، يلتقط الكرات وكأنه يجمع النجوم بيديه، ويؤكد للمرة الثالثة على التوالي أن الشباك الزرقاء وُجدت لتبقى نظيفة.
وفي خط الوسط، كان الهلال أشبه بفرقة موسيقية تُتقن اللحن وتعرف التوقيت.. تمريراتٌ محسوبة، وانتقالاتٌ ناعمة بين الدفاع والهجوم، واستحواذٌ يُشبه الغزل حين يكون صادقاً ودافئاً.
أما كوليبالي في المقدمة، فذاك الفارس القادم من غرب القارة يُثبت في كل مباراة أنه لم يأتِ عبثاً، وأنه لا يكتفي بالمشاهدة، بل يصنع الفارق حين تتقلّص المساحات وتضيق الأنفاس.
هدفه في الشباك الكينية لم يكن مجرد كرةٍ عبرت خط المرمى، بل وعدٌ جديد لجماهيره بأن الهلال سيظل في الموعد، ما دام هناك لاعبون يعرفون طريق الشباك، ويؤمنون أن الانتصار عادة لا تُنسى.
المدرب ريجكامب كان كقائد الأوركسترا، يُحرّك الإيقاع من الخط، يقرأ الخصم قبل أن يتحرك، ويغيّر التشكيلة باللمسة التي تصنع الفارق.
نعم، طالبنا بالصبر عليه، وقلنا إنه ليس من نوع المدربين الذين يُقاسون بمباراة أو اثنتين، واليوم جاء الرد عملياً.. تكتيكٌ منضبط، وتوظيفٌ مثالي، وروحٌ قتالية جعلت الهلال يبدو كفريقٍ مكتمل النضج، والقادم أحلى بمشيئة الله.
هذا الهلال الذي شاهدناه بالأمس لم يكن مجرد فريقٍ يسعى للعبور، بل كان سفيراً للفرح السوداني، يُقاتل باسم وطنٍ، ويرفض أن يُغادر أحلامه حتى في أقسى الظروف.
هو الهلال الذي لا يتراجع مهما كانت الصعاب، لأنه ببساطة وُلد من رحم المجد، وتربّى في كنف الانتصارات.
لقد إنتصر الهلال، نعم، لكنه انتصر بأناقةٍ تُشبهه، وبأداءٍ يليق بتاريخٍ كتبه الرجال على مر السنين بدموع الفخر وعرق الانتماء.
هذا الفوز لم يكن مجرد رقمٍ في دفتر النتائج، بل كان رسالة إلى من شكّكوا، وإلى من ظنّوا أن الأزرق تاه في دروب الآخرين.
الرسالة تقول ما زال الهلال هنا.. كبيراً كما كان، جميلاً كما عرفناه، وسيداً كما سيبقى إلى الأبد.
لكن بين النصر والاطمئنان مسافة، وبين الذهاب والإياب جسرٌ لا يُعبر إلا بالجدية.
جولة ليبيا القادمة ليست نزهة، ولا يُمكن أن تُلعب بالعاطفة وحدها.
هناك، في بنغازي، سيحتاج الهلال إلى ذات الروح التي قاتل بها في نيروبي، إلى الانضباط نفسه، وإلى الثقة التي تُشبه إيمانه الدائم بنفسه.
لابد من نسيان الفوز، والتعامل مع الإياب كأنه المعركة الأولى والأخيرة، لأن المجد لا يُعطي أسراره إلا لمن يواصل القتال حتى اللحظة الأخيرة.
نعم، المهمة لم تنتهِ بعد، والعبور إلى المجموعات لا يأتي إلا بالعزيمة التي عُرف بها الهلال منذ فجر تاريخه.
وإن كنا نحتفل اليوم بنتيجة الذهاب، فالأجمل أن نحتفل قريباً بالعبور، كما تعوّد هذا الفريق أن يجعل من الحلم واقعاً، ومن الصعب عادةً.
ما خاب من راهن على الهلال.. أمل البلد الوحيد، ونبض الملايين في كل مدينةٍ وقرية.
ومن غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر؟
إنه الهلال.. لا مجرد فريق، بل قصيدة وطنٍ تتجدّد في كل نصر، وتغنّي باسم السودان حيثما إرتفعت راية السماء الزرقاء.

باص قاتل:

الفرح والجمال حصريا على الهلال!!.