جسور النار من نيالا إلى أصوصا .. كيف تُدار حرب الظل ضد سيادة السودان؟
جسور النار من نيالا إلى أصوصا .. كيف تُدار حرب الظل ضد سيادة السودان؟
تقرير: مجدي العجب
في مشهد يعكس تعقيدات الصراع السوداني وتشابك خيوطه الإقليمية، تتكشّف معلومات خطيرة عن تحركات ممنهجة لمليشيا الدعم السريع، تُنذر بتوسيع رقعة المواجهة وفتح مسارات جديدة للإمداد العسكري خارج الحدود. فبينما يواصل الجيش السوداني معاركه لاستعادة الاستقرار وفرض هيبة الدولة، تشير تقارير ميدانية إلى نشاط مكثف لنقل عناصر المليشيا وتسليحها عبر مسارات جوية تمتد من دارفور مرورًا بدول الجوار، في محاولة لإعادة تموضعها وتعزيز وجودها في جبهات القتال بولاية النيل الأزرق. وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه وتيرة الاستهدافات التي تطال المنشآت الحيوية، حيث تعرّض محيط مطار الخرطوم لهجوم بطائرة مسيّرة، في مؤشر إضافي على طبيعة التهديدات التي تواجه البلاد. غير أن سرعة تعامل الأجهزة الأمنية والعسكرية مع الحادثة، واحتواء تداعياتها دون خسائر، تعكس جاهزية الدولة وقدرتها على التصدي لمثل هذه المحاولات.
وبين تحركات المليشيا عبر الحدود، ومحاولات ضرب العمق الحيوي للعاصمة، يبرز تساؤل جوهري حول أبعاد هذا التصعيد، والجهات التي تقف خلف تسهيل هذه المسارات، في وقت يؤكد فيه الجيش السوداني عزمه المضي قدمًا في حسم المعركة، وصون وحدة البلاد وأمنها.
بين نيالا وأصوصا
وكشفت مصادر مطلعة عن نشاط مكثف لمليشيا الدعم السريع في نقل أعداد من عناصرها وأسلحتها عبر مسارات جوية خارجية، وصولًا إلى جبهات القتال بولاية النيل الأزرق. وأفادت مصادر (ألوان) بأن عمليات النقل تبدأ من مطار نيالا بولاية جنوب دارفور، حيث يتم ترحيل الجنود جوًا إلى جنوب السودان، قبل مواصلة الرحلة إلى مدينة أصوصا الإثيوبية باستخدام طائرة “يوشن”، ومن ثم إعادة توجيههم إلى مناطق العمليات في النيل الأزرق. وفي السياق ذاته، أشارت المصادر إلى أن عناصر المليشيا يتم تجميعهم في مقر الاحتياطي المركزي بمدينة نيالا، تمهيدًا لنقلهم عبر رحلات جوية ضمن ذات المسار.
العودة
من جانبه أعلن المكتب الصحفي بوزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة أن موقعًا في ساحة مطار الخرطوم تعرّض لاستهداف بطائرة مُسيّرة، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.
وأوضح المكتب أن الجهات المختصة الأمنية والعسكرية تعاملت مع الحادثة على الفور، وشرعت في تنفيذ الإجراءات الفنية والأمنية وفق البروتوكولات المعتمدة، مع مواصلة عمليات التقييم اللازمة لضمان أعلى مستويات السلامة والأمان.
وستستأنف حركة الطيران في مطار الخرطوم بصورة طبيعية فورًا، عقب استكمال هذه الإجراءات الروتينية.
وفي هذا السياق، دعا المكتب المواطنين ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وتجنب تداول الشائعات أو المعلومات غير الموثوقة.
وأكد المكتب مجددًا أن الأوضاع تحت السيطرة، وأن سلامة المواطنين وحماية المنشآت تمثلان أولوية قصوى، مع استمرار التنسيق الكامل بين الجهات المختصة لضمان استمرار استقرار الأوضاع.
الجيش يمضي بثبات
ويرى الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح أن ما يجري لا يمكن قراءته كتحركات عسكرية عادية، بل هو “تصعيد منظم يكشف بوضوح عن وجود شبكات إسناد خارجية تسعى لإطالة أمد الحرب وإرباك مسارات الحسم التي يقودها الجيش السوداني”. ويضيف صالح في حديث لـ(ألوان) أن اعتماد مليشيا الدعم السريع على مسارات جوية عابرة للحدود يعكس حالة من الانكشاف الميداني داخل البلاد، ومحاولة لتعويض الخسائر عبر استجلاب عناصر ودعم لوجستي من الخارج.
وأكد أن استهداف محيط مطار الخرطوم بطائرة مسيّرة يحمل دلالات خطيرة، باعتباره محاولة لضرب رمزية الدولة ومفاصلها الحيوية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن “حالة يأس تكتيكي” بعد فشل المليشيا في تحقيق اختراقات حاسمة على الأرض. ويشير إلى أن سرعة تعامل القوات النظامية مع الحادثة تعزز الثقة في قدرتها على تأمين المنشآت الاستراتيجية والتعامل مع التهديدات المستجدة.
وختم بالقول إن المرحلة المقبلة ستتطلب مزيدًا من اليقظة والتماسك الوطني، إلى جانب تحرك دبلوماسي فاعل لكشف هذه الانتهاكات الإقليمية، مؤكدًا أن الجيش يمضي بثبات نحو استعادة السيطرة الكاملة، وأن مثل هذه التحركات لن تغيّر من مآلات المعركة بقدر ما تعجّل بحسمها.
تماسك الدولة
ويقول الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب إن ما تكشفه التقارير حول نقل عناصر مليشيا الدعم السريع عبر مسارات جوية خارجية يمثل “تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، وينقل المواجهة من نطاقها الداخلي إلى فضاء إقليمي مفتوح”، مشيرًا في حديثه لـ(ألوان) إلى أن هذا النمط من التحركات لا يمكن أن يتم دون “تسهيلات لوجستية معقدة وتواطؤ أطراف تسعى لإعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض”.
ويضيف أن لجوء المليشيا إلى هذه المسارات يعكس “أزمة ميدانية حقيقية وضغطًا متزايدًا من عمليات الجيش السوداني”، ما دفعها إلى البحث عن بدائل خارجية لتعويض التراجع. ويرى أن اختيار جبهات مثل النيل الأزرق ليس اعتباطيًا، بل يأتي في سياق محاولة فتح جبهات جديدة لإرباك القوات المسلحة وتشتيت جهودها.
وفيما يتعلق باستهداف محيط مطار الخرطوم، يعتبر الطيب أن الحادثة تحمل “رسائل سياسية وأمنية” أكثر من كونها عملية عسكرية ذات أثر مباشر، هدفها بث القلق والتشويش على المشهد العام. لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن “سرعة الاستجابة الرسمية واحتواء الموقف تعكس تماسك مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات”.
قدرة الدولة على حماية السيادة
إذًا تكشف هذه التطورات عن مرحلة دقيقة من الصراع، تتقاطع فيها التحركات الميدانية مع رهانات إقليمية معقدة، في وقت يواصل فيه الجيش السوداني تقدمه بثبات نحو استعادة زمام المبادرة. وبين محاولات المليشيا لإعادة التموضع عبر مسارات خارجية، واستهدافها للمنشآت الحيوية، تتعزز قناعة بأن المعركة لم تعد مجرد مواجهة داخلية، بل اختبار لإرادة الدولة وقدرتها على حماية سيادتها.