
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (كلمة ونصف)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(كلمة ونصف)
وكلمة ونصف أسلوبٌ للكتابة الموجزة شهدته ستينات القرن الماضي، وهو شيء يوجز ويكثّف، ونستعيره هنا.
وعن الإعلام قالوا:
نابليون يهرب من منفاه في “سانت هيلانة”، فكتبت الصحافة الفرنسية: الكلب العقور يهرب من سجنه.
وحين هبط نابليون في كورسيكا ووجد جنودًا كثُرًا معه، كتبت الصحافة: نابليون الهارب يهبط كورسيكا.
ثم لما حشد جيشًا وتقدّم، كتبت الصحافة: القائد العسكري يتقدّم بجيش كبير.
وحين حطّم جنود الحلفاء ودخل باريس، كتبت الصحافة: سيادة الإمبراطور المنتصر يعود إلى عرشه.
والآن، إعلام “قحت” و”الدعم” يعيد المشهد نفسه.
فالكلمة “الفلول” تختفي،
والصور أمام لافتاتٍ مصنوعةٍ للخداع تختفي،
وفيديوهات الشتائم والتهديد تختفي،
و…
و”قحت” التي تصنع إعلام الدعم تجد أن كلمة دعم سريع تجعل المواطن يتقيأ.
وهكذا، الاضطرار إلى أسلوب جديد ينتج مشاهد جديدة.
الآن، موجة “تكذيب الإسلاميين” تُصنع وتُنسب إلى الإسلاميين أنفسهم.
وآخر ما أنتجه هذا الأسلوب هو فيديو (صورة ثابتة) للشيخ الحبر يوسف،
وفيه صوتٌ يزعم أنه الحبر يوسف يقول: إنه لم يترك الإسلاميين لأنهم كلاب، ولا لأنهم يستوردون العاهرات، ولا لأنهم يديرون الربا خلف البنوك، بل لأنه اكتشف أنهم إرهابيون!
الفيديو يقول هذا، لكن الأمر يبدو أنه صُنع على عجل؛
فمن يزعم أنه الحبر يوسف يخطئ مرتين في تلاوة آية، ويهرد الإعراب هردًا،
والمعروف أن الحبر يوسف، المحاضر القديم في الفقه والعربية، هو من أفصح خلق الله.
والحكاية تكشف أن إعلام “قحت” لا يخطئ لمجرد العجز،
بل إن إعلام “الدعم” يخطئ ولا يبالي، لأن المفارق عينو قوية،
ومن يصنعون هذا الإعلام يشعرون أن الشمس تغرب… وأنه خلاص.
(٢)
والناس يتحدثون عن فيلمٍ ليس فيه إلا ثلاث جمل، ومع ذلك يفوز بالجوائز حول العالم.
ومعذرة للتكرار، لكنه مهم:
الفيلم القصير لا يحتوي إلا على طفلٍ مشلول راقدٍ على ظهره ينظر إلى السقف.
والدقائق تمضي، والمشاهدون ينتظرون الحدث: دقيقة… دقيقتان… خمس… سبع دقائق…
ثم يظهر المذيع ليقول:
“تشعرون بالملل حين تنظرون إلى شيءٍ واحدٍ ثابتٍ لسبع دقائق… فما ظنكم بالطفل المشلول هذا، وهو ينظر إلى السقف فقط لسنوات؟”
الفيلم يفوز بالجوائز لبراعته في التقاط مشاعرك، ثم تحويلها إلى كلمات، ثم مخاطبتك بها.
الكتابة شيء مثل ذلك.
لهذا، لا أمل في “صناعة” إعلاميين من قِبل قحت يعرفون ما هو الإعلام.
وملاحظةٌ أخيرة:
بعض الإعلام الآن — أيام انتصار الجيش — ملاحظةٌ تتأكد… وتتمدد.