
يوسف محمد الحسن يكتب: العشق الممنوع والثمن المدفوع!!
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
العشق الممنوع والثمن المدفوع!!
في زمانٍ ليس بالبعيد، كانت الرياضة عندنا تشبه فنجان القهوة السودانية؛ مُرّة المذاق لكنها محبوبة النكهة، لا تُشرب من أجل السكر، بل من أجل المزاج!.
كان للمدرجات صخبها الجميل، وللإدارات وجوهها الأليفة التي نحفظ ملامحها كما نحفظ أسماء اللاعبين الكبار.
كان الإداري يدخل النادي كمن يدخل بيته، يجلس بين اللاعبين كأخٍ أكبر، ويُعاتب الحكم كمن يُعاتب الكفر حين يعاند، لكنه في النهاية يبقى عاشقًا نبيلاً، يرى في الرياضة رسالة سامية وغاية نبيلة.
أما اليوم، فالمشهد تغيّر حتى كدنا لا نتعرّف عليه.
الوجوه التي كانت تصنع البهجة غابت، والقلوب التي كانت تخفق حبًّا للكيان إنسحبت بصمتٍ يشبه وجع الفقد.
الوسط الرياضي فقد نكهته القديمة، تلك الحلاوة التي كانت تُغطّي مرارة الخسائر، وتحوّل الهزيمة إلى حكايةٍ طريفة تُروى، لا مأساةٍ تُناقش في الاجتماعات.
الملاحظة الأوضح والأكثر إيلامًا هي إبتعاد الرياضيين الحقيقيين الذين خرجوا من صلب الرياضة وتربّوا في كنفها وتدرّجوا في خدمتها، أولئك الذين كانوا يزرعون الشغف حيثما مرّوا، ويُديرون الأندية بالحب قبل الحسابات المصرفية.
حلّ مكانهم إداريون جُدد… لا يعرفون رائحة العرق في غرف الملابس، ولا طعم الدموع بعد الخسارة.
هبطوا فجأة من أبراجهم العالية، ولا يجيدون سوى لغة الأرقام والتقارير.
والأغرب من ذلك أنهم لا يظهرون في الأضواء، ولا يخاطبون الجماهير، كأن التواصل تهمةٌ أو ضعف!.
ولا ندري هل هذا الترفّع نابعٌ من إستعلاءٍ متعمّد؟ أم من عجزٍ عن المواجهة؟ وفي كلا الحالين، النتيجة واحدة رياضة بلا روح، وإدارة بلا نبض.
ومن مفارقات هذا الزمن الرياضي العجيب، نجد إداريًا يدفع ولا يتحدث، وآخر يتحدث ولا يدفع!
من يقرّر لا يصرّح، ومن يصرّح لا يقرّر! ومن يقف خلف الكواليس يتحكّم فيمن يظهر على المسرح.
مشهد مقلوب ومضطرب، لا أحد قادر على فكّ طلاسمه، ولا تفسير منطق العبث الذي يحكمه.
في الماضي، كان المحبّون يتسابقون للظفر بمقاعد الأندية الكبيرة، لأن فيها بريقًا ومجدًا وشرفًا للظهور.
أما اليوم، فالبعض يدفع الملايين ليبقى في الظل، وكأن وراء الغياب عن الضوء مكسبًا أعظم من الشهرة!. فما الذي يريده هؤلاء إذًا؟
وما الثمن الذي ينتظرونه مقابل هذا الزهد المفاجئ في الأضواء؟.
أسئلة كثيرة، وإجاباتها معلّقة في فضاءٍ رماديّ يزداد اتساعًا كل يوم.
لكن ما هو واضح تمامًا أن واقعًا جديدًا قد تشكّل، وأن المعايير القديمة التي كانت تزن الرجال بالإخلاص والعطاء، لا بالحساب البنكي، قد ذهبت بلا رجعة.
الرياضة اليوم تشبه حفلاً فاخرًا بلا موسيقى، كل شيء فيه متقن إلا الإحساس، اللافتات مضيئة، والشعارات أنيقة، لكن الروح غابت.
ابتعد أولئك الذين كانوا يجعلون من الخسارة نكتةً، ومن الفوز فرحًا جماعيًا لا مجرد بيانٍ صحفي،
رحلوا وتركوا الساحة لمن يكتفي بالأرقام، ويُنأى بنفسه عن الكلام ابتعادًا لا تواضعًا.
إنها مرحلة جديدة قد تشكّلت، لكنها بلا طعمٍ ولا رائحة، والرياضة فيها فقدت ملح الرياضيين القدامى الذين جعلوها يومًا لذيذة رغم مرارة النتائج.
أما الآن، فقد تغيّر الواقع وانحصر في إطار الميزانية التي تخرج أخبارها لنرى أوزارها!.
يديرون الأندية كأنهم يُديرون شركات استيراد، ويظنون الفريق مشروعًا استثماريًا، لا كيانًا له جمهورٌ يتنفس عشقًا لا أرباحًا.
وحين تسأل أحدهم عن سبب الصمت، يبتسم بثقةٍ ويقول نحن نعمل في صمت!. وصمته هذا أطول من عمر البطولات التي ينتظرها الجمهور!.
ربما يأتي يوم نحتاج فيه إلى إدارة من قدامى الإداريين تعيد للرياضة روحها، فما أكثر من يُدير… وما أقل من يعشق!.
حتى ذلك الحين، سنكتفي بالمشاهدة من بعيد، نحاول أن نحب اللعبة كما كانت، ولو اضطررنا أن نضيف نحن ملح العشق ونظبط مقاديره!.
وياليت الإداريين الجدد يعلمون… أن الجمهور لا تهمه الأرقام، بل يرغب في من يشاركه الحب والارتباط الوجداني بعذابه الممتع،
فالعشق هو آخر ما تبقّى من الرياضة… فلا تقتلوه بصمتكم المريب!.
فقد كانت الرياضة يومًا كيانًا يُعشق… قبل أن تتحوّل إلى حسابٍ يُدار، وما بين العشق والحساب… ضاعت الروح التي كانت تحرّك المدرجات!.
باص قاتل:
زاهدين .. ولا ما عارفين!!