
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (وهوامش سيرة)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(وهوامش سيرة)
وفي ضواحي كسلا، ونحن في زاوية من خلوةٍ لحفظ القرآن، يقول لي صاحبي:
“لهذا الشاب حكاية”،
ويشير إلى شابٍ نحيلٍ يبدو مستغرقًا منذ زمنٍ في مصحفه.
وجلسنا، وصاحبي يبدأ بمشهدٍ هو ذاته أول مشهدٍ في روايةٍ ألمانية… قال:
“قبل أربع سنوات، في السوق، يأتي هذا الشاب جريًا، والشرطة تطارده، وحين يجد أنه لا مهرب له، يفعل شيئًا غريبًا:
الشاب ينحشر عند ظهر امرأةٍ جالسةٍ تبيع الخضار، ويغطي نفسه بثوبها، ولا أحد يخطر له أن الثوب يغطي اثنين.
والمرأة ثابتةٌ صامتة، تشعر أن عليها أن تحمي من استجار بها، لكنها تتمتم هامسةً له في غيظٍ:
– سجم أمك… تتدس ورا مرا؟
والشاب يهمس لها:
– إن اكتشفوا مكاني آكلك خنجري.
قالت: وتاكلك بعدي المشنقة.
قال: اسكتي.
قالت: مثلك لا يستحق الحماية.
قالت وهي تنظر إلى الشرطة: أستطيع أن أقتلك بما هو شرٌّ من القتل.
قال: كيف؟
قالت: أقول لأهل السوق: تعالوا، انظروا أين يختبئ هذا.
وفي اللحظة التالية، المشهد يتبدل؛
الشاب يقفز واقفًا كأنه طُعن، والمرأة تقفز لتمنعه من تسليم نفسه، وشيءٌ مثل الصراع بين الاثنين…
قال محدثي:
بعد ساعة، كان الشاب هذا في الخلوة هذه، ممسكًا باللوح الذي لم يتركه بعدها حتى هذه اللحظة…
السوداني… سوداني…
(2)
وكان من يعرف “السوداني” هو المرحوم عبد الله أحمد عبد الله، رئيس الدستورية، وأحد أعظم القضاة، والذي له حكايات.
فالرجل… عبد الله… لما كان رئيسًا للقضاة، يأتونه في نهارٍ رمضانيٍّ برجلٍ ملتفٍّ في ملاءةِ سريرٍ، وامرأةٍ ملتفةٍ، والنظرة الأولى للمشهد تحكي كل شيء.
وعبد الله يصرف الشرطة، ويظل منهمكًا في شيءٍ كان يكتبه.
وبعد قليل كان يومئ للرجل:
– اجلس.
والرجل في الملاءة كان أحد القضاة… وعبد الله يدفع للرجل بورقةٍ وقلم… كل هذا دون كلمة.
والرجل يكتب استقالته.
وعبد الله يرسل ابنه – الذي يرافقه دائمًا – إلى البيت، وهذا يجلب ملابس رجالية ونسائية.
وبعد قليل، كان المعتقل وصاحبته يخرجان.
بعدها، ولسنوات، ظل القاضي المفصول هذا – والذي هاجر إلى الخارج – لا يعود إلى السودان، حتى يزور مولانا عبد الله قبل أن يصل إلى بيته…
(3)
ومن هوامش السيرة الذاتية: كانت أيام نيفاشا، والمحادثات المطوّلة مع قرنق…
ويومًا، ضمن وفدٍ من المثقفين، يدعوننا إلى هناك.
ونيفاشا هذه هي التي جعلت علي عثمان يتنازل عن منصب نائب الرئيس لصالح قرنق… حتى تتوقف الحرب.
وهناك، يدعونا دينق ألور للحديث… ونفاجأ بأن ألور يختار (البار) مكانًا للقاء…
ونفهم أن ما يدور في ذهنه هو أن (الكوز) هذا – إسحق – لن يدخل البار.
لكننا دخلنا…
ومثلها، في محاولةٍ للتلاعب بـ(الكوز)، يسألنا ألور ونحن في البار:
– تشرب إيه يا مولانا؟
ولعلها كانت أول مرةٍ في تاريخ البار يسمع فيها كلمة “مولانا”.
ونوشك أن نقول للرجل هذا إننا نشرب “بلاك آند وايت” أو “هيج”… أو “كورفوازييه”… أو “سيليكون”… أو…
لكننا نتجاهل ونطلب كولا.
وفي الحوار نسأله:
– نحن دولة… لها دخل وأموال تصرفها في الحرب… فما هو مصدر أموالكم؟
ونشرع في التلاعب به، وما أشد خطورة الكوز حين يتلاعب.
وفي قاعة الاجتماعات يجلس الوفد… وفد المثقفين.
وبعدها يدخل وفد قرنق… ويدخل عرمان… ويرفع يده بالتحية للوفد السوداني، ولا أحد يرد.
وعرمان يبحث بعينيه عن أحدٍ يوجّه إليه التحية، ويرى واحدةً من الوفد، ويقول:
– فلانة…
ويلوّح لها، وفلانة تغمس وجهها في حقيبتها.
وقرنق، بعد نهاية اللقاء، يطلب مصافحة وفد المثقفين… في إشارةٍ لها معناها.
والوفد يصطف، وأحد أهل “ساحات الفداء” يقف في نهاية الصف.
حتى إذا صافح قرنق أول من يقف في الصف من الجانب الآخر، تسلّل هذا من وراء الصف ووقف مع الذين صافحهم قرنق.
بعدها كان يقول:
– يدي التي صافحت الشهداء لا تصافح قاتلهم.
ويبقى أن اللواء الطيب سيخة يحدثنا بقوله:
– في شجارٍ عنيفٍ بين قرنق ومشار، يصرخ مشار في وجه قرنق ليقول: سوف أراك مدفونًا على عمق ستة أقدام.
قال الطيب:
– ويوم دُفن قرنق، نظرت أنا ونافع داخل قبر قرنق، وكان عمقه ستة أقدام.