
د. عثمان أبوزيد يكتب: تخريج مستنفرين بمشكيلة ولمحة تاريخية
تخريج مستنفرين بمشكيلة ولمحة تاريخية
د. عثمان أبوزيد
تابعنا صباح الاثنين ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٥ تخريج كوكبة من المستنفرين من بعض شياخات محلية دلقو. حفل التخريج الذي استضافته قرية مشكيلة قوبل بحماسة المواطنين وبحضور كثيف منهم، ليشهدوا طابور التخريج وليستمعوا إلى كلمات قادة الجيش والقوات النظامية.
يستدعي هذا الحدث عندي لمحة من التاريخ الحديث لمنطقة المحس والسكوت وحلفا التي لم يعرف عنها اهتمام كبير بحمل السلاح أو الميل للجندية والتدرب على القتال.
ذكر مدير مديرية حلفا في الستينيات حسن دفع الله في مذكراته صفات النوبيين وإيثارهم السلام، ويقول: “ومع أنهم يشتهرون بلسان لاذع وبسرعة الإثارة فإنهم لا يلجأون إلى العنف، ولم يعرف عنهم ولع بالحروب”.
وينقل دفع الله عن أتش سي جاكسون أحد مديري حلفا في أواخر العشرينيات في إحدى رسائله أن بعض النوبيين جُندوا في الجيش المصري فاستخدموا بنادقهم وقودا لصنع طعامهم… ويقول دفع الله معلقا: “الحق أن الخدمة العسكرية ليست بالعمل الجذاب للنوبيين”. ومن مظاهر إيثار النوبيين للسلام ما يذكره أيضا بأنه في مدة إقامته لم يزد عدد السجناء عن اثني عشر سجينا غالبيتهم من الصعايدة الذين عبروا الحدود.
ومن الملامح التاريخية ما يتناقله المواطنون من الروايات الشفوية عن مرور جيش عبد الرحمن النجومي وما حاق بأهلهم من ويلات على أيدي جنود المهدية.
هرب الأهالي إلى الجبال واتجهوا صوب الشمال إلى حدود الدولة المهدية التي كانت حينئذ في صواردة، وكثير منهم وصلوا إلى مصر وبقوا هناك أكثر من ١٣ سنة، وعملت الحكومة المصرية على تشجيعهم بالعودة بتجهيز مراكب ضخمة تعرف باسم (الدهبية) كانت تستغرق نحو ثلاثة أشهر حتى تصل إلى السكوت.
جيش الأنصار الذي لم يكن لديه القوت والتشوين الكافي بدأ بسلب الطعام وبالاعتداء على ثمار النخيل قبل حصادها.
ومما رواه أحد أحفاد عمدة أتيري صالح شلبي أن النجومي أرسل طلائعه إلى قرية أتيري لجمع الشباب وإلحاقهم بالجيش. العمدة أكرمهم ونحر لهم الذبائح وأفادهم بأن أبناء قريته لا يصلحون للعمل محاربين في الجيش لأنهم مزارعون عملهم فلاحة الأرض فقط.
ولما سمع العمدة بأن الحملة ستنتقم منهم لنكوصهم من الاستجابة للتجنيد، فجمع العمدة أفراد القرية وأمرهم بالاستعداد للفرار من القرية واللجوء إلى الصحراء في رحلة شاقة. (القصة في كتاب المهدية وبلاد النوبة لأيوب اسماعيل).
وبعد أن أوغل أهالي أتيري في الصحراء، وجد العمدة أن ما معهم من مؤن وماء لا يكفيهم جميعا، فوضع خطة بأن كل قادر على الإنجاب من ذكور وإناث عليهم ان يتزودوا بالطعام والشراب ويواصلوا طريقهم إلى حلفا، أما غيرهم من كبار السن فقد استسلموا لمصيرهم ليلقوا ربهم.
وعودة إلى مناسبة تخريج المستنفرين في محلية دلقو، فإن الحدث إذا قرأناه في ضوء ما سقنا من تاريخ، فإننا ندرك قيمة انتظام أبنائنا في الجندية ونفرتهم للدفاع عن الوطن.
والحقيقة إن المهددات الأمنية، تفرض على الناس أن يستعدوا بكل جدية، فهي مهددات لأصل الوجود ولأن الهدف من حرب الجنجويد هو استئصال المواطنين بقتلهم وتشريدهم وإحلال آخرين في ديارهم.
ولا شك أن التمرد بهذا الصنيع قد جعل من كل مواطن عدوا شخصيا له، واستفز بذلك نخوته وشرفه، بل استفز حميته ورجولته.
وفي الختام أتوجه بالشكر لهيفاء ومتوكل، والإعلامية إسلام محمد أمين من تلفزيون دنقلا الذين أتاحوا تغطية متميزة للحفل.