
الحاج الشكري يكتب: انتصار في معركة مختلفة من معارك الكرامة
نقطة وسطر جديد
الحاج الشكري
انتصار في معركة مختلفة من معارك الكرامة
كانت نقطة التجمع لعدد من الزملاء في مركز أمدرمان الثقافي والجميع كان يهيئ نفسه لحضور مؤتمر صحفي من داخل قاعة المركز وفجأة دخل علينا ضابط صعد المنصة وحدث الحضور بأدب واحترام بأن على الجميع التوجه نحو العربات لأن المؤتمر سيعقد في مكان آخر غير معلوم، وكان جميع الزملاء لا يعلمون حتى موضوع اللقاء ولكنني كنت على علم به، ولكن لا أفشي سر ملكتني له الجهة المنظمة للمؤتمر. ونحن نتحرك بمجموعة من العربات من أمدرمان إلى الخرطوم، ثم إلى بحري كنت أنظر إلى شوارع الخرطوم التي بدأت تدب فيها الحياة تدريجيا. قلت في نفسي طالما أننا ذاهبين لحضور اعلان الشهادة السودانية للعام ٢٠٢٤م من داخل العاصمة الخرطوم وفي ظل هذه الظروف الصعبة والتحديات الكبيرة، وطالما هناك إرادة سودانية قوية لمواصلة مسيرة التعليم رغم ضراوة التيار وصعوبة المحن فإنني متأكد تأكيدا يصل حد اليقين بأن من يعيش منا سيرى في يوم من الأيام وفي المستقبل في شوارع الخرطوم ناطحات السحاب العملاقة وشبكات الطرق السريعة الكثيفة المتقاطعة. وقلت طالما أننا قادمين على تدشين قطار التعليم فإنني من تحت أكوام الرماد هذه وحجم الدمار هذا فإننا سنرى في المستقبل عاصمة من عالم استثنائي آخر مدهش وجميل وليس هناك مستحيل خاصة إذا اهتمت الدولة بالعلم والبحث والمعرفة. أذكر أنني ذهبت ضمن وفد سوداني في العام ٢٠٠٨م إلى الجماهيرية العربية الليبية وأتيحت لي فرصة أن أحضر محاضرة في جامعة الفاتح من سبتمبر بالعاصمة الليبية طرابلس. تحدث لنا واحد من العلماء قائلا ان الوطن العربي كله لايمكن أن يهزم إسرائيل (إذا لم يغير نهجه) وطالما أنه لا ينفق على البحث العلمي أكثر من ١% من جملة الدخل القومي وطالما تنفق إسرائيل أكثر من ١٧% من جملة الدخل القومي على البحث العلمي. ولعل هذا هو سر قوة الدول الكبرى.
اعلان نتيجة الشهادة السودانية من داخل ولاية الخرطوم كان نصرا من نوع آخر وضربة موجعة من ضربات الكرامة في وجه المليشيا القبيح. نعم كانت رسالة قوية أن يقام الموتمر أو الاحتفال بهذه المناسبة الوطنية من داخل مباني وزارة التعليم والتربية الوطنية بولاية الخرطوم وأن يشرف المؤتمر الأستاذ أحمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم وأعضاء حكومته حيث تقدم الحضور الدكتور التهامي الزين حجر وزير التعليم والتربية الوطنية الاتحادي، والذي أعلن نتيجة الشهادة السودانية للعام ٢٠٠٢٤م بنسبة نجاح بلغت ٦٨%، أحرزت فيها الطالبة رهف الأمين الطيب البشير المركز الأول من مدرسة القنصلية العامة بأسوان بنسبة نجاح بلغت ٩٧% فيما أحرز الطالب مؤيد الصادق المرتبة الثانية من مدرسة أباذر الكودة بأمدرمان بنسبة نجاح بلغت ٩٦%. وذكر التهامي أن عدد مراكز الامتحانات ٢٠٧٨ مركزا، منها ١٢ مركز بالخارج، مشيرا بأن نتيجة هذا العام كانت بجهود المعلمين والقوات المسلحة والشرطة والمالية والخارجية والصحة والطلاب، كاشفا عن أن امتحانات العام ٢٠٠٢٥م ستنعقد في ١٣ أبريل ٢٠٢٦م.
دمعت عيناي دون أن أشعر عندما أعلن من منصة المؤتمر عن الطالب الياس محمد أحمد من قرية ود النورة المنكوبة وهو يحرز المركز رقم ٧٧ بنسبة نجاح بلغت ٩٤%. وفي تلك اللحظات ضجت كل القاعة بالتصفيق الحار المتواصل وربما لم تشهد هذه القاعة تصفيقا كهذا تضامنا مع أهل ود النورة واعجابا بإرادة هذا الطالب الذي تغلب على الظلم والاستبداد والطغيان.
وفي ختام هذا المقال لابد أن نرسل تحايا خاصة لكل من شارك في إكمال هذا العمل الوطني الكبير، تحية عطرة لكل معلم أمين، ولكل عسكري شجاع، ولكل موظف وطني، ولكل أب غيور، ولكل طالب طموح.
بعد انتهاء هذا المؤتمر تظهر لنا عدد من الحقائق لابد أن نؤمن بها جميعا.
أول هذه الحقائق أن المليشيا وحكومتها الموهومة يمكن أن تحارب ولكنها من المستحيل أن تقيم امتحانات للشهادة السودانية لأنها لاتملك القدرة الفنية ولاتسندها شرعية قانونية.
والحقيقة الثانية أن الشعب سيكون مدين لحكومة تهتم بتعليم أبنائه في وقت ينتشر فيه الجهل في مناطق سيطرة المليشيا.
وتبقى الحقيقة الثالثة أن العلم هو الطريق الوحيد لنهضة وتطور الأمة السودانية وهو ذات النهج الذي أحدث الفرق بيننا وبين العالم الأول في أوروبا وأمريكا فكانوا هم بالعلم في المقدمة وكنا نحن بالجهل والتخلف والتعصب والعنصرية في المؤخرة. ولكن صدقوني بعد هذه المعركة فإن كل شيء سيكون مختلفا، فبالعلم سنبني أعظم أمة على وجه الأرض تكون فيها النهضة بالعلم والمعرفة والسيادة للقانون والسلطة للوطنيين المخلصين من أبناء بلادي من العسكرييين والمدنيين. أما أصحاب الولاءات المزدوجة من الذين أجسادهم في مجلس الوزراء وقلوبهم في الإمارات فلن ولم يحكمونا بعد هذه الحرب إلا ونحن تحت الأرض. نقطة وسطر جديد.