
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (أيام كان للجمال مملكة)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(أيام كان للجمال مملكة)
وصاحب الأخوة كارامازوف، لما أراد أن يكشف تزييف مسيحية اليوم، كتب فصلاً في كتابه الأخوة كارامازوف عن أن المسيح عاد.
ورسم كيف أن المسيح يهبط إلى الأرض، وينظر إلى الكنائس المزخرفة، وإلى القسّيسين في أرديتهم المذهّبة وملايينهم، ويسمع كلامهم مصعوقًا.
وعيسى عليه السلام كان متنكّرًا، لا يعرفه أحد.
وعيسى عليه السلام، بعد أن رأى ما رأى، يعلن عن نفسه، وعن أنه المسيح، وعن أن كل هذا الذي يُجرى باسمه هو شيء لا صلة له بما جاء به، وأنه العكس الكامل لكل الدين الذي أُرسل به.
وبالطبع، المسيح يقابله القسّيسون بالإنكار العنيف، بالردع العنيف، بأنه يزيف الدين…
وبينما كان كل هؤلاء يصدقونه تمامًا، ينفرد به كبيرهم في زاوية، ويقول له إنه والآخرين يصدقونه تمامًا.
والرجل كان صادقًا في قوله إنهم يصدقونه، لكن الكبير هذا يقول لعيسى:
:: هل تعرف ما سوف يَجري إن نحن أعلنا أنك صادق…؟؟
ويقول له:
:: الناس مبسوطين كده… فاتركهم في حالهم.
ديستويفسكي يقول إن عيسى تركهم فعلاً… وذهب.
الناس، والتعامل الآن مع (الصاح والغلط)، هو هذا…
والقانون هذا هو ما يدير عالم اليوم.
وأهل الإعلام عندنا يجعلك تنشق غيظًا، وهم يجتهدون جدًا في إثبات أن إسرائيل مجرمة، وأن أمريكا كذا، وأن الإمارات كذا… كذا…
وعن الكتابة… إن أنت لم تقرأ رواية دكتور زيفاجو، فأنت لم تقرأ شيئًا.
ورواية باسترناك قرأناها قبل نصف قرن، لكن بعض ما يبقى منها هو مشهد يُبكي القارئ في أوله، ثم في آخره.
ففي أوله، الشاب أندريه، العنيف المعتدي، البارع جدًا في السيف، يلطم عجوزًا ويتحداه للمبارزة.
والعجوز يصحبه ابنه ذو السبع سنوات، والعجوز يتمتم ويهمس لأندريه:
:: اتركني لأعيش من أجل طفلي هذا.
وأندريه يلطمه، ويحشو الثلج تحت ثيابه، ويشتمه بأنه جبان.
وكل هذا لم يكن هو قمة الألم…
قمة الألم كانت حين كان تلاميذ المدرسة، زملاء الطفل، يهزؤون من الأب ويتهمونه بالجبن، ويحشون الثلج في ثياب الشيخ الذي كان ساقطًا على الأرض، والصبي يدافع عنه ويبكي…
في المشهد الثاني، كان الأب الشيخ يرقد مريضًا بسبب الذل الذي تعرض له، حين يدخل عليه أندريه برأسٍ مدلى…
كان أندريه مطلوبًا للسلطة، وكان قد دبّر هروبًا، لكنه قبل الهروب قرر شيئًا.
أندريه يدخل بيت الرجل، ويركع جوار فراشه، يعتذر… ويعتذر…
وفي المشهد، كان أندريه يجبر خاطر الطفل الذي شاهد إذلال أبيه.
وكان أندريه يقول للشيخ تحت دموعه:
:: أنا ذاهب بعيدًا يا سيدي… لكنني قررت ألا أذهب قبل أن أزورك لأشكرك.
وتحت دهشة الشيخ، مضى أندريه يقول له:
:: أشكرك لأنك أبقيت على حياتي ولم تقتلني لما تحديتك للمبارزة. أنا يومها لم أكن أعلم أنك أستاذ في المبارزة، وأنك كنت تستطيع قتلي منذ البداية، لكنك رفضت قتلي لأنني شاب، ولأنني غبي.
كان الصبي ابن الشيخ يسمع…
بعدها يتحول أندريه إلى الطفل، يطلب منه أن يكون وسيطًا، وأن يجعل والده يعفو عنه.
الطفل بالفعل يتحول ليرجو من أبيه أن يسامح الشاب.
المشهد هذا نقرأه وسط آلاف الكتب، لكنه يبقى في الذاكرة، وفي الروح، وفي القلب.
ما أحلى أن تكون إنسانًا…
والإسلام… إنسانية.
ابتداء من الغد ان شاء الله…كل شىء عن الرباعية. والمخادعات….مخادعات نصنعها نحن ونسقيها للكلاب.