إسحق أحمد فضل الله يكتب: (صورة ناس)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(صورة ناس)

أستاذ عبد الرزاق،
أن تمشي على ظهر سفينة متجهاً غرباً، بينما السفينة متجهة شرقاً… الصورة هذه هي صورتنا نحن الآن، ونحن نمشي دون سلاح.

……

والسيرة الذاتية جميلة، جميلة أيام كنا ملوكاً.
وأيامها كانت السيرة الذاتية مثل نوم العافية، بينما السيرة الذاتية الآن شيء مثل نوم السكران لط…

…….

وتسأل يا أستاذ عن هذا السودان الفقير المتعافي البهيج الذي نتحدث عنه، وتطلب نقله إليك.
وهاك…

فنحن أيام الصبا والصبوة كنا نمشي، ورائحة البن في القلاية تأتي من البيوت، ورائحة الطين من مطر البارحة، وصوت الراديو، وأبواب دكاكين السوق تصرصر لتفتح: “رزاق يا كريم”.
وألوان الخضروات، والحمير تُعبر بها إلى السوق… “عرعر، عر عر”، ورسوم المطر على الحيطان، ورائحة فضلات خيول الكارو، وأغاني الصباح من الراديو.

ولهوجة اللغة… كلمات سريعة لا يفهمها إلا سوداني مشلخ، والسوداني “ينضم”، وهي ذاتها “ينظم”.
ونعبر طرف السوق، ورائحة البهارات من كناتين البهارات، و”أزيك يا عم صالح”، وعم صالح الأعمى لا يخلط أحداً بأحد، وهو يصيح: “أهلاً ود ريا، أبوك جا من سنار؟”

ورائحة الصابون، والأقمشة، والجلود المدبوغة، ورائحة القرظ، ورائحة البذرة، والزيت، ورائحة جوالات الخيش.
حتى الظلام له رائحة يميز بها عم صالح الأعمى الكنتين وأهلها.
ورائحة بول الحمير…

كانت هذه هي رائحة شيء واحد…
هو الزمن.

وبين أبخرة الروائح وأبخرة الزمن تتلوى وجوه من كانوا هناك، ثم رحلوا… حاج الزين، حاج الصافي، حاج ود ريا، ود أبوشيشة، والجزولي.
ودندنة الميدوب التي لا تنقطع، وحتى صرخة الجن في “نص النهار”، الصرخة التي لا يعرف الناس مصدرها، والناس اعتادوها حتى إنهم يفتقدونها إن غابت.

وصوت يقولون إنه نهيق حمير الجن، والناس يقصون القصص عمّن اشتروا حميراً من الجن، ومن باعوا لهم.

…..

أستاذ،
هل تجد في هذه “السيرة” أي ظل سياسة هنا؟
السياسي وحكم كرة القدم يكون أجود ما يكون حين يدير كل شيء دون أن يشعر أحد بوجوده.

ويوم كان كل أحدٍ يكفي خيره شره، كان السودان شعباً يحب الحكومة، وحكومة تحب الشعب.

فالعالم كان يصنع، بينما السودان كان يفعل ما هو أعظم… السودان كان يزرع.

وحجم تأثير الزراعة هو…
أمريكا، والعالم الذي يريد لحمنا يقدم لنا القمح مجاناً، نعم مجاناً، إلى درجة أن كلمة “المعونة الأمريكية” كلمة كانت تطغى.

وتركنا زراعة الذرة.
وعندها، أمريكا طلبت الثمن لقمحها…

ونحن حتى اليوم ندفع نصف ما عندنا من دولار وذهب لشراء القمح.
كفاية؟ لا، فنحن اليوم ندفع كل إرادتنا مع الدولار للحصول على القمح.

هدم السودان بدأ بهذا.

والصورة، صورة السوق أعلاه، نرسمها لك حتى ترى الفرق.
وملحق: نعتذر عن كشف ما وعدنا بكشفه، لأن ظروفاً جدّت جعلت النشر مضراً.