
يوسف محمد الحسن يكتب: الهلال .. بين الهيبة المفقودة وواقع التبعية
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
الهلال .. بين الهيبة المفقودة وواقع التبعية
أعلنت لجنة المسابقات باتحاد الكرة إنطلاقة الدوري الممتاز مطلع يناير القادم، وفي الوقت ذاته أكّد نادي الهلال عبر أمينه العام رغبته في المشاركة في الدوري الرواندي، مشيرًا إلى موافقة الاتحاد الرواندي، وأن ما تبقّى هو انتظار الضوء الأخضر من الاتحاد السوداني لكرة القدم.
غير أن هذا الملف لم يمرّ مرور الكرام، إذ اشتعلت الأوساط الزرقاء بين غضبٍ وسخطٍ وحيرةٍ كبيرة
لماذا يتأخر الرد؟ ولماذا تُماطل الجهة المسؤولة في أمرٍ واضحٍ لا يحتمل التأجيل؟.
ومن بين أصوات الجماهير الغاضبة إرتفعت الاتهامات نحو الاتحاد السوداني بالترصّد المتعمّد، وكأن الهلال أصبح هدفًا دائمًا لسهام الاتحاد ومكايداته.
لكن الحقيقة في تقديري أعمق من مجرد (ترصّدٍ)
القضية ليست خلافًا إداريًا على ورق، بل مرآةٌ صادقة لواقعٍ مؤلم يعيشه الهلال منذ سنوات؛ واقعٌ فقد فيه النادي الكبير مكانته وهيبته وصوته العالي الذي كان يومًا يرعب اتحاد الكرة ويهزّ قاعات الاجتماعات بمجرد ذكر اسمه.
كان الهلال ذات يومٍ مؤسسةً تصنع القرار ولا تُستدرج إليه، يفرض احترامه، وكان الاتحاد يحسب له ألف حساب قبل أن يتخذ أي قرار يمسّ مصالحه.
أما اليوم، فقد تلاشت تلك الهيبة حين سلّم مجلس الإدارة زمام إرادته لغيره، وخضع طوعًا لمنظومةٍ تُدار بعقلية (اتحاد المريخاب) فالنادي الذي كان قائدًا صار تابعًا، والذي كان يُملي صار ينتظر الإملاء.
وحين يضع الكبير نفسه في موضع التابع، فلا عجب أن يفقد احترامه قبل أن يفقد نفوذه.
وقبل أن يلوم الأهلة الاتحاد على إستهداف ناديهم، عليهم أن يسألوا أنفسهم أين مجلس الهلال من كل هذا؟.
أين تلك الشخصية الصلبة التي كانت تُقاتل في صمت وتنتصر في العلن؟.
من الذي أضاع البوصلة وجعل النادي العريق يعيش على هامش قرارات الآخرين؟.
لقد تآكل الدور القيادي للهلال تدريجيًا، حتى صار حضوره باهتًا في المشهد الرياضي، لا يتجاوز حدود التصريحات والبيانات الباردة التي تُكتب لتُنسى.
البعض يرى أن العلاقة بين أسامة والعليقي، وما نتج عنها من تسهيلات في ملف اللاعبين الأجانب، تمثل مكسبًا للهلال، لكن الحقيقة أن الثمن كان باهظًا، فما ناله الهلال من امتيازاتٍ محدودة، خسر مقابله استقلاليته وهيبته التاريخية، كانت صفقة قصيرة النظر، تشبه من يبيع تاريخه مقابل حفنةٍ من الامتيازات العابرة.
الهلال، يا سادة، لم يكن يومًا تاجر مصالح، بل صاحب مواقفٍ ومبادئ.
لقد تحولت العلاقة بين الهلال والاتحاد إلى علاقةٍ انتهازيةٍ لا تشبه الكبار، أشبه بـ(زواج مصلحة) يدوم ما دامت المنفعة قائمة، ثم ينتهي دون وداعٍ أو إحترام.
والأخطر من ذلك أن الطرفين فقدا البوصلة، فغابت المصلحة الوطنية وحلّت مكانها حسابات صغيرة، لا تليق بتاريخ الهلال ولا بمسؤولية الاتحاد.
ومن يهن يسهل الهوان عليه، وقد اختار مجلس الهلال طريق السهولة والخضوع، ففقد احترام الاتحاد ومهابته.
ولو تمسّك النادي بشخصيته القيادية كما كان، لما احتاج إلى استجداء الموافقات أو انتظار الأوامر.
الاتحاد لا يعاند إلا الضعيف، ولا يتجرأ إلا على من فقد صوته وهيبته، أما الهلال الذي نعرفه، فكان دائمًا يفرض حضوره ولا يُفرض عليه شيء.
إن الهلال اليوم، بكل أسف، لم يعد ذلك النادي الرائد الذي يصنع الحدث ويقود المواقف، بل أصبح مجرد نادٍ عادي… لا (يهش) ولا (ينش). والأشد مرارة أن البعض لا يريد مواجهة الحقيقة، ويفضل دفن رأسه في رمال الوهم، وكأن الإنكار يُعيد الأمجاد أو يرمم الهيبة المهدورة.
لكن الحقيقة يجب أن تُقال إن ما ضاع من الهلال لن يعود بالتصريحات، بل بالمواقف.
وما فقده من هيبةٍ لن يُستعاد بالهتاف، بل بالعمل والإصلاح من الداخل.
وإذا أرادت جماهير الهلال أن تستعيد مكانة ناديها، فعليها أن تبدأ من البيت الأزرق نفسه، من تصحيح المسار وإعادة الثقة في مؤسساته قبل مطالبة الآخرين بالاحترام.
فحين يستعيد الهلال هيبته، لن يجرؤ أي اتحادٍ على معاندته، لأن الكبار لا يُستأذنون كي يسيروا في طريقهم، بل يُفتح لهم الطريق احترامًا وتقديرًا، كما كان دائمًا.
أما الآن، فالهلال يعيش بين ماضٍ مجيدٍ يلوّح له من بعيد، وواقعٍ باهتٍ ينتظر من يوقظه من سباته الطويل…
لينهض كما عرفناه دائمًا سيدًا بين الكبار، لا تابعًا مثل الصغار.
باص قاتل:
مجلسنا ياهو الماغسنا!!.