
يوسف محمد الحسن يكتب: من يريد أن يلعب دور الجمهور؟!
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
من يريد أن يلعب دور الجمهور؟!
في كرة القدم، لا شيء أصدق من صوت الجماهير.
فهي لا تملك مقاعد في الإدارات، لكنها تملك ما هو أعمق الانتماء الصافي الذي لا تُغريه المناصب ولا تُضلّله التصريحات.
حين تهتف، يتغيّر المزاج العام، وحين تصمت، تشعر الأندية أن شيئًا من روحها قد انطفأ.
فالجماهير ليست مجرد مشاهدين، بل هي قلب اللعبة النابض وبوصلتها التي تعيد الاتجاه كلما تاه الطريق.
هي التي تمنح الثقة أو تسحبها، وتزرع في اللاعبين روح البطولة حين تهتف من الأعماق.
في ملاعبنا كثيرًا ما يكون المدرج أصدق من المؤتمر الصحفي، وأبلغ من صفحات التحليل.
الجمهور وحده يعرف متى فاز فريقه حقًا، ومتى خسر النتيجة.
هو من يرى ما لا تراه الكاميرا، ويشعر بما لا تلتقطه العدسات، وعندما يغضب لا يحتاج إلى بيان، فهتافه وحده كافٍ ليهزّ أركان النادي.
كم من إدارةٍ صمدت أمام النقد الإعلامي، لكنها إنهارت أمام صمت المدرجات!
وكم من مدربٍ ظنّ نفسه فوق المحاسبة، فسقط حين رفعت الجماهير لافتةً تقول كفى!.
إنها سلطة الحب… أقوى من أي نفوذ، وأصدق من أي مجاملة.
ومع ذلك، تبقى الجماهير بحاجة إلى قدرٍ من الوعي والحذر، لأن بعض الإدارات تجيد العزف على وتر العاطفة، حين تشتدّ الأزمات تُطلق الوعود، وتُرفع الشعارات، وكأن الحبّ يمكن أن يُستخدم غطاءً للأخطاء.
لكن الجماهير الواعية لا تُخدع بسهولة؛ تعرف متى يكون الشعار صادقًا، ومتى يكون وسيلة للهروب من المساءلة.
فالولاء الحقيقي لا يعني الصمت عن الخلل، بل الدفاع عن الكيان حين يُستغلّ اسمه لتغطية الفشل.
إن أخطر ما يواجه الأندية ليس غضب الجمهور، بل خداعه باسم الانتماء، حين يُطلب منه أن يصفّق للأخطاء بدعوى الحفاظ على الاستقرار.
ذلك النوع من (الاستقرار) لا يبني نادياً، بل يُطفئ نوره ويقوده نحو الانطفاء البطيء.
ولعلّ نادي الهلال هو المثال الأوضح لتلك العلاقة الفريدة بين الفريق وجماهيره،
فالهلال لم يكن يومًا مجرد نادٍ، بل قضية وجدانية تشبه الوطن في كبريائه، وتشبه جماهيره في وفائها.
منذ عقودٍ ظلّ الجمهور الهلالي هو صاحب الكلمة العليا، يرسم الاتجاه متى ما ضاقت الدروب، حين يثور تتحرك الملفات الراكدة، وحين يصفّق تُفتح أبواب الانتصارات.
هو الذي أعاد الهيبة في أصعب اللحظات وقال كلمته في وجه التراجع والإهمال،
فالهلال في تاريخه لا يخضع إلا لصوت جماهيره، تلك التي تؤمن أن النادي ملكٌ للعامة لا للخاصة.
وفي كل مرةٍ ظنّ البعض أن الصمت يعني رضا، جاء الردّ من المدرج بصوتٍ واحد يهزّ السكون، الهلال فوق الجميع!.
تلك العبارة لم تكن شعارًا، بل إعلان ولاءٍ خالد يختصر علاقة شعبٍ بناديه، وعشقٍ لا يشيخ مهما تبدّل الزمان.
في زمنٍ تغيّر فيه كل شيء، من أساليب اللعب إلى لغة الإدارة، بقي شيءٌ واحد لا يتبدل. أن الجماهير هي الضمير الحي للأندية، والحارس الأمين لهويتها.
قد تخطئ في لحظة انفعال، لكنها لا تساوم في الحب، ولا تتراجع عن حماية فريقها.
ولذلك، فإن النادي الذي يُنصت لجماهيره لا يخاف السقوط، أما الذي يستهين بصوتها، فهو في الحقيقة يسير نحو الظلام ولو انتصر بالأرقام.
إن الجماهير في كل زمان كانت وستظل صاحبة القرار الأول والأخير.
ولأنها الركيزة التي يقوم عليها كل نادٍ، فعلى الإدارات أن تُدرك أن احترام صوتها ضرورة بقاء.
فالاستهانة بها ليست مجرد خطأ إداري، بل بداية سقوطٍ لا تُنقذه الأموال ولا التصريحات.
من يستخفّ بالجمهور اليوم، سيجد نفسه غدًا وحيدًا، بلا هتافٍ يرفعه ولا انتماءٍ يحميه.
فالجماهير لا تنسى، ولا تسامح من يعبث بعاطفتها، لأنها ببساطة روح اللعبة وذاكرتها الحيّة، ومن يخسرها، يخسر كل شيء.
باص قاتل:
من يقف ضد الجمهور… وقع في المحظور!!.