يوسف محمد الحسن يكتب: الفاشر .. الجرح الذي يفضح صمت العالم

تحت السيطرة

يوسف محمد الحسن

الفاشر .. الجرح الذي يفضح صمت العالم

في الفاشر، لم تعد السماء صافية كما كانت، ولم يعد الصبح يحمل ملامح الحياة القديمة.
المدينة التي كانت مهد النخوة والكرم، صارت اليوم مسرحًا لمأساةٍ تمتدّ من البيوت المحروقة إلى العيون المبلّلة بالخوف.
هناك، في فاشر السلطان، يمشي الموت في الطرقات علنًا، وتتعثر الحياة في أزقةٍ أُطفئت فيها كل قناديل الأمل.
الأمهات يخبئن أبناءهن تحت الركام، لا خوفًا من المطر، بل من رصاص المليشيا التي لا تفرّق بين مدنيٍ ومقاتل، ولا بين بيتٍ آمنٍ ومستشفىً يعالج الجرحى.
الدم في الفاشر أصبح لغةً يومية، والأنين نشيدًا مألوفًا يردّده الجميع.
مليشيا آل دقلو الإرهابية تجاوزت حدود الوحشية؛ تُحرق البيوت كما تُحرق الأوراق، وتنهب المستشفيات كما لو كانت غنيمة حرب، وتقتل بلا وازعٍ من دينٍ أو ضمير.
ما يجري هناك ليس حربًا بين طرفين، بل إبادةٌ متعمدة تستهدف الإنسان قبل المكان، والهوية قبل الجغرافيا.
لكن الأشد قسوةً من الرصاص، هو صمت العالم
صمتٌ يكشف التواطؤ، ويفضح زيف الشعارات طالما تغنّت بالإنسانية وحقوق الإنسان، فأين أولئك الذين ملأوا الدنيا حديثًا عن العدالة والسلام؟ ولماذا يصمتون اليوم أمام جريمةٍ تُرتكب على مرأى العالم؟.
إن هذا الصمت لا يفضح المليشيا وحدها، بل يفضح تواطؤ العالم الذي يقيس المآسي بميزان المصالح.
فحين يكون القاتل قريبًا من نفوذهم يصمتون، وحين يكون بعيدًا عنهم يرفعون شعارات العدالة.
وهكذا تُترك الفاشر وحدها في مواجهة الخذلان الدولي والضمير الغائب.
ومع ذلك، فإن هذا الظلام لا يمكن أن يحجب نور الرجال الذين ما زالوا على العهد.
قواتنا المسلحة الباسلة والقوات المشتركة تقف في وجه الطوفان، تقاتل دفاعًا عن وطنٍ أنهكته الخيانة من الداخل والمؤامرات من الخارج، لكنها لم تفقد إيمانها بأن النصر يُصنع بالصبر والإرادة.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينةٍ تُحاصرها المآسي، بل رمزٌ للكرامة الوطنية، وشاهدٌ على أن السودان ما زال حيًا رغم الجراح.
وما بين أنين الجرحى وصمود الجنود، يولد يقينٌ واحد أن المليشيا زائلة، وأن الوطن باقٍ ما دام فينا قلبٌ ينبض ورايةٌ تُرفع.
سيأتي يومٌ تُفتح فيه أبواب الفاشر على فجرٍ جديد، وتعود الطمأنينة إلى القلوب كما تعود الطيور إلى أعشاشها.
وحين يُكتب تاريخ هذه البلاد، سيعلم الناس أن السودان لم يُنقذه أحد، بل أنقذ نفسه برجاله، وبصبره، وبإيمانه بأن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع.

 

نداء إلى الضمير الإنساني

 

يا من ترفعون رايات العدالة في العلن وتطوونها عند أول إختبار،
يا من تملكون المنابر والكاميرات والمواقف، أنصتوا إلى صرخة الفاشر
إنها ليست مدينةً بعيدة في أطراف الصحراء، بل قلعة مباركة يعرفها ويعزها التاريخ، ولذلك فهي امتحانٌ للضمير الإنساني كله.
كل طلقةٍ تُطلق هناك تصيب العدالة في قلب العالم،
وكل صمتٍ عن الجريمة يضيف سطرًا جديدًا في سجل الخيانة الأخلاقية.
لا تطلبوا من الفاشر أن تصمت، فقد تكلّمت بدمائها، ولا تطلبوا من السودان أن يركع، فقد إعتاد أن ينهض مهما كانت الصعاب.
من بين الرماد ستنهض الفاشر، ومن بين الدمار سيولد السودان من جديد.
سينكسر السلاح الذي حمله الباطل، وتبقى الراية في يد من قاتلوا لأجل شرف الوطن.
فالمليشيا تزول، والخيانة تُمحى معها، أما الجيش والشعب، فهما الباقيان…
والتاريخ لا يرحم من باع الوطن بمواقف العار المتلونة.