يوسف محمد الحسن يكتب: ميدان الكرامة .. إعادة الرسالة النبيلة للرياضة

تحت السيطرة

يوسف محمد الحسن

ميدان الكرامة .. إعادة الرسالة النبيلة للرياضة

منذ فجرها الأول، لم تكن الرياضة مجرّد سباقٍ على الأهداف والكؤوس، بل كانت مرآةً تعكس ضمير الشعوب، ومنبرًا تعبّر من خلاله الأمم عن قيمها ومواقفها.
فكم من رياضيٍّ صنع مجد وطنه في الميدان، وكم من نادٍ رفع راية الحق حين خذلتها السياسة، وكم من لحظةٍ رياضيةٍ غيّرت مجرى التاريخ لأنها قالت كلمة صدق في وجه الظلم.
فالرياضة في جوهرها ليست لهوًا، بل رسالة، وليست منافسةً فقط، بل مسؤولية.
ومن يقف في الميدان ممثّلًا لوطنه، يحمل على كتفيه شرف الانتماء، وواجب الدفاع عن كرامة الإنسان قبل أي شعار.
اليوم، والفاشر تنزف تحت وطأة جرائم مليشيا آل دقلو، يعود السؤال المؤلم
أين الرياضيون من وجع الوطن؟ أين ذلك الصوت الذي طالما دوّى من الملاعب دفاعًا عن الإنسان قبل الألوان؟.
ما يحدث في الفاشر ليس حدثًا عابرًا، بل مأساةٌ تُبكي الضمير، وجريمةٌ تمتحن إنسانيتنا جميعًا.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يجوز للرياضة أن تنزوي في ركن الصمت أو تكتفي بالفرجة.
فالرياضي الحق ليس من يركض خلف الكرة فحسب، بل من يركض خلف الحقيقة، ومن يملك الشجاعة ليقول ما يجب أن يُقال حين يخاف الآخرون.
نحن لا نريد أن نعاتب أحدًا، فزمن العتاب مضى، ووقت الصوت قد حان.
نريد فقط أن يكون الصوت حاضرًا… صادقًا… نبيلًا.
أن يتحدث الرياضي بضميره، وأن تقف الأندية بجماهيرها واتحاداتها مع الوطن الذي منحها الاسم والمكانة.
إن المطلوب من الرياضيين كبير، لأن هذا القطاع بما يمتلكه من جماهيريةٍ واسعة وشخصياتٍ مؤثرة، قادرٌ على الوصول إلى القلوب قبل المنابر، ويمكنه أن يكون صوتًا مدويًا للحق وجسرًا بين الإنسان ومعاناته.
فكلمةٌ من لاعبٍ محبوب، أو موقفٌ من نادٍ عريق، قد تهز الضمائر أكثر من مئة بيانٍ سياسي.
ولذلك، لا بد أن يُفعَّل هذا الدور لصالح الوطن، وأن تتحول الملاعب والمنصات الرياضية إلى مساحاتٍ للوعي والكرامة، لا إلى زوايا صمتٍ تُخفي الخذلان.
ولأن الضمير الإنساني لا يُحدّه جواز سفر، فإننا نُثمّن مواقف الرياضيين حول العالم الذين عبّروا عن تضامنهم مع أهل السودان، ورفعوا أصواتهم رفضًا للظلم والقتل في الفاشر.
لقد أثبتوا أن الرياضة حين تخلص للإنسان، تصبح لغةً عالمية للرحمة، وأن الرياضي الحقيقي لا يتقوقع في إنتصاراته، بل ينحاز دائمًا إلى المظلوم.
هي مواقف تُعيد للرياضة معناها النبيل، وتذكّرنا أن العدل والحرية لا لون لهما سوى لون الإنسانية.
في الفاشر وبارا تُغتال الإنسانية، وينتظر الناس أن يسمعوا كلمةً منكم… كلمةً تليق بتاريخ الرياضة السودانية التي وُلدت من رحم الوطنية، ونمت على قيم التضامن والشهامة.
آن الأوان أن نعيد للرياضة رسالتها، وأن نثبت أن الروح الرياضية ليست مجرّد تحيةٍ بعد المباراة، بل موقفٌ إنسانيٌّ في لحظةٍ ينهار فيها كل شيء إلا الضمير.
فالسكوت الآن لا مجال له، والكلمة شرف، فلتتكلموا باسم الوطن،
ولتكن أصواتكم إمتدادًا لنبض أهلكم في الفاشر،
ولكل إنسانٍ يقف في صفّ الحياة.
هذه دعوةٌ مفتوحة لكل رياضيٍّ، لكل نادٍ، لكل مشجعٍ رفع يومًا علم بلاده وهو يهتف للفرح آن الأوان أن نهتف للحق.
آن الأوان أن نُعيد للرياضة معناها النبيل.
قولوا للعالم إن في السودان رياضيين لا يخذلون أوطانهم، ولا يصمتون حين يُغتال الإنسان.
كونوا كما كنتم دائمًا… حماةَ القيم، وسفراءَ النبل، وصوتَ الوطن حين يختنق بالصمت.
ولتكن الرياضة من جديد… ميدانًا للكرامة، ومنبرًا للإنسان، وصوتًا لا يُسكت حين يتحدث الضمير.