
يوسف محمد الحسن يكتب: الكرة في ميدان الالم .. والقلوب في ميدان الوطن
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
الكرة في ميدان الالم .. والقلوب في ميدان الوطن
الكتابة في الرياضة هذه الأيام صعبة للغاية، بل هي من أشدّ ما يمكن أن يواجهه الكاتب حين تختلط مشاعر الوطن بألمه، وتتحول الأخبار من نتائج المباريات إلى قوائم النازحين والمفقودين.
كيف يمكن للمرء أن يكتب عن فوزٍ أو خسارة، وأصوات الحرب تملأ السماء؟.
كيف يحتفل بهدفٍ، وهناك في الفاشر أطفالٌ بلا مأوى، وأمهاتٌ ينتظرن خبراً عن أبنائهن وسط الرصاص الغادر؟.
في مثل هذا الواقع، يبدو القلم حائرًا بين الرغبة في البحث عن لحظة فرح، وبين الشعور بالذنب أمام مشهد المأساة.
فالرياضة التي كانت دومًا مساحةً للبهجة، ونغمةً خفيفة في إيقاع الحياة القاسي، باتت اليوم جزءًا من هذا الألم الكبير الذي يعيشه السودان
لم تعد مجرد مباريات تُلعب على النجيل الأخضر، بل أصبحت مرآةً لما نحن عليه كبلدٍ يبحث عن نفسه بين الرصاص والدموع.
ما يجري في السودان ليس نزاعًا سياسيًا فحسب، بل جرحٌ إنساني مفتوح يطال الجميع، بمن فيهم الرياضيون الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا ملاعب، بلا جمهور، بلا أفق. توقفت الدوريات، وتفرّقت الفرق، وأُطفئت أنوار الاستادات، لكن ما يجب ألا ينطفئ هو روح الرياضة نفسها، تلك الروح التي طالما جمعت الناس على كلمةٍ واحدة الانتماء.
ومع كل هذا الوجع، يظل الأمل ممكنًا، فالرياضة ليست ترفًا يمكن تعليقه حتى تهدأ البنادق، بل رسالة وضميرٌ حيّ قادر على أن يمدّ يد العون حين يعجز الآخرون.
إنها قادرة على أن تكون صوتًا للسلام، وجسرًا للمحبة، وأن تُعيد شيئًا من الثقة المفقودة بين الناس، حين تتحرك الأندية والاتحادات واللاعبون ليقولوا للعالم نحن مع شعبنا، في ميدانه الأكبر… ميدان الكرامة والصمود.
على الوسط الرياضي أن يتحرك الآن، لا لينافس على الكؤوس، بل ليرفع الروح المعنوية ويقدّم ما يمكن تقديمه في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ بلادنا.
على الاتحادات أن تُعلن مواقفها بوضوح، وأن تعقد إجتماعاتٍ طارئة تعبّر فيها عن إنحيازها للوطن، لا لذلك الصمت البارد الذي لا يليق بمرحلةٍ تنزف فيها البلاد.
وعلى الأندية أن تفتح أبوابها للمبادرات الإنسانية، وأن تُسخّر إمكاناتها لدعم المتضررين والنازحين في الفاشر وغيرها.
فمن يمتلك صوت الجماهير، يمتلك طاقةً قادرة على أن تصنع فرقًا في الوجع العام، وأن تحوّل التعاطف إلى فعلٍ ملموس.
لقد كانت الرياضة السودانية عبر تاريخها قريبة من نبض الناس، لا تنفصل عنهم يومًا،
فمن مدرجات الهلال والمريخ، إلى أندية الأقاليم البعيدة، كانت الهتافات دائمًا تحمل نغمةً وطنية تجمع ولا تفرّق.
حين يثور الجمهور، لا يثور للفريق فقط، بل للوطن في لحظةٍ نادرة من الوحدة الصافية.
ولهذا، فإن على الرموز الرياضية الكبرى أن تستعيد هذا الدور الآن أن تكون جسورًا للتلاقي بدلًا من ساحاتٍ للتنافس، وأن تُذكّر الناس بأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرّقهم.
الفاشر الجريحة لا تحتاج إلى كلماتٍ رسمية، بل إلى مبادراتٍ صادقة تنبع من روح اللعب النظيف التي تعلّمناها في الملاعب،
فكما أن النصر لا يتحقق بلا تعاونٍ وتمرير، فإن الخلاص لا يأتي إلا بتكاتف الجميع.
فلنُعد تعريف البطولة، ولنجعلها هذه المرة بطولةً في الإحساس بالآخر، في المشاركة، في البذل، في أن نقول نحن معكم بالفعل لا بالتصريحات.
ولعل أعظم ما يمكن أن تفعله الرياضة اليوم، أن تُذكّرنا بأننا ما زلنا قادرين على الفعل.
أن نؤمن أن الوطن، رغم جراحه، ما زال حيًّا فينا، ينتظر لمسة وفاء… لا صفّارة نهاية.
فالرياضة ليست مباراة تُكسب أو تُخسر، بل موقفٌ يُعبّر عن ضمير الأمة.
وحين تصمت الكرة، يجب أن يتحدث اللاعبون، والمدربون، والإداريون، والجماهير باسم الوطن.
فمن لا يقف مع بلده في وجعه، لا يستحق أن يفرح باسمه يوم ان يبتسم من جديد… وهذا قادم بفضل أبنائه الأحرار.