مقال للراحل محمود أبو العزائم: في سيرة القانوني عبد العزيز عبد الله علي شدو

مقال للراحل محمود أبو العزائم:

في سيرة القانوني عبد العزيز عبد الله علي شدو

… نشأنا في حي واحد القسم الأول بمدينة ود مدني، حي الموسرين من السودانيين. عدد كبير جداً من الشوام والأقباط والإغريق يسكنونه. أو إن كل الأجانب يسكنون القسم الأول وأيضاً اليهود.
والقسم الأول هو الذي احتكر كل الكنائس، الإنجليزية. وكنائس الشوام والإغاريق والأقباط، وبه مسجدان: جامع البوشي وجامع عثمان زياد، وبه خلوة واحدة هي خلوة الفكي قدورة الكائنة في جامع البوشي. ولما كان القسم الأول يجاور مكاتب الحكومة وبيوت الحكومة ثم الحي البريطاني، ويتكون سكانه ممن سلفت الإشارة إليهم، فهو الحي المميز.
تسكنه أسرة شدو والليثي ومحمد أحمد كعورة واليهودي عِلْس، وعبد الله سلطون، ومن الشوام الخواجة كعكاتي، والياس البني، وقصار، ومشاطة. ومن الأقباط راعي الكنيسة القبطية، وفايز غالي وإخوانه وأخواته، وشفيق ولويس سدرة، وعثمان أبو عنان، وأمين أحمد حسين. ومن سكانه ببيوت الحكومة: محمد أحمد محجوب، والمهندسون مدثر محمود، وشافعي شمس الدين الشافعي، وأمير طه، وأبرز سكان القسم الأول أحمد خير المحامي.
نشأنا في أحد أحياء هذا القسم الأول. ربط بينا الحي والفريق والجوار. لكن جمعت بيننا شقاوة واحدة. ولعب واحد. وقبيلة واحدة هي قبيلة أولاد الفريق الذي كان في حالة حرب مستمرة مع فريق الدناقلة حيث إبراهيم كرار وجلال عثمان. حرب أطفال، نغير عليهم بقيادة حميدة محمد سعيد الشهير بجعبوري، فنهزمهم. فيغيرون علينا مباغتين فينتصروا.
هكذا، وفي كل الأحوال، كان شدو ذكياً جداً وحذراً جداً، مما اعتبره زملاؤه في الحي ضرباً من الجبن.
كان الأقرب من بين إخوته إلى أبيه الشيخ عبد الله علي شدو باعث النهضة الرياضية في ود مدني وحارسها القيم، والرئيس الدائم لنادي النيل الرياضي إلا من بعض الدورات. وليس غريباً أن يكون عبد العزيز رئيساً لنادي المريخ العاصمي في فترة من فترات التاريخ إذ أنه أحب الكرة (كرة القدم) من أبيه وورثها أيضاً، ووطد العلاقة بين نادي النيل ونادي المريخ المستمرة حتى اليوم. فجماهير نادي النيل في ود مدني هي جماهير المريخ العاصمي، والعكس صحيح.
كان النادي المصري في ود مدني مجاوراً لدكان أحرقته الجماهير إبان ثورة أكتوبر، يحتل الناصية المقابلة للسوق، ومن الجانب الآخر كان منزل المقاول المعروف عثمان أبو عفان. قصد عبد العزيز والده في النادي، كان يطلب مالاً. الأب يرفض والابن يصر. الأمر الذي أغضب، وربما لأول مرة، الوالد على الابن، فهجم على عصاه يريد الفتك به. فأسرع عبد العزيز بالهرب، مع إصرار من الشيخ عبد الله علي شدو على اللحاق به وتأديبه. وكان الابن هو الأسرع، فلجأ إلى شجرة نيم كبيرة وضخمة، تسلقها واحتمى بسطح الدكان. وفي السطح اكتشف جبلاً من الجوالات. وجدها ملأى بالتمر القنديلا. انكفأ على أحدها وأخذ يقضم بشراهة من تمره حتى امتلأت معدته وتعب فكاه من المضغ.. ثم لف ذيل جلبابه حول وسطه وعبأه بالتمر، ثم هبط من أعلى في حذر.. بعد أن تأكد له خلو الطريق من أي إنسان يعرفه، وبسرعة من مكانه ذاك إلى الحارة.
وبدر منه كرم لم يسبقه إليه صبي قبله. وزع ما يحمل على أقرانه واستبقى لنفسه ما في جيبه، وتابع تكرار العملية مرات ومرات، مما أثار انتباه زملائه. أخذوا يسألونه عن مصدر هذا الخير العميم. التزم الصمت. ثم أخذوا يتساءلون، مما قادهم إلى مراقبته. ونجحت المراقبة وعرف المصدر. وأصبح ذلك السقف الاهتمام الأكبر لأبناء الحي، وكان من الطبيعي بعد ذلك الانتباه أن تُفرغ الجوالات من محتوياتها.
وعندما لعب الفأر في عب حسين عثمان أبو عفان. خشي أن يتعرض للاتهام فالمساءلة والعقاب. فتطوع بفتح بلاغ ضد الآخرين، وأن مخزن التمر كان سقف منزله، والتمر هو حصاد نخيل العم خليفة صاحب المخبز، وهو من أرقو بدنقلا. وهاج الرجل وماج، واتصل بمجموع الآباء في الحي، فكان التوبيخ والخجل. لكن صاحب التمر غفر وسامح، وتشاء الظروف أن يصبح عبد العزيز شدو قاضياً في مستقبل أيامه وأن يصبح حسين أبو عفان ضابط شرطة نفتح عنده البلاغات.
تعرض عبد العزيز شدو في حياته إلى صدمتين في طفولته. الأولى حادثة غرق في النيل لم تتم. تعلمنا السباحة، وكنا فيها مستجدين نعمة، فرحين سعداء بتفوقنا على غيرنا من أبناء المدينة كلها، بأن مجموعتنا في الفريق تحسن العبور سباحة من مشرع ود مدني إلى مشرع حنتوب. وشجعنا عليها أمران. الأول أن نادي الآباء والأعمام وكبار القوم في القسم الأول، وهو نادي النيل، أنشأ جمعية السباحة، أبرز أعضائها عبده الخانجي، وكامل خفاجة شهرته (أبو جون). ورثنا السباحة من هؤلاء وإن لم نجد تشجيعاً منهم في ركوب الخطر.
في تلك الأيام عرفنا لأول مرة المايوه الذي كان يرتديه الكبار. كنا نشكل سباحتنا: مرة السباحة التقليدية التي تستخدم فيها الأذرع للتجديف، أخرى السباحة على الظهر والتجديف. وذات مرة ونحن على مقربة من شاطئ حنتوب، قال جعبوري محذراً الجميع من (العرق الحامي)، وهذا العرق مخترع من مخترعات جعبوري ولا مكان له في النيل.
ونَدَّت فجأة صرخة مكتومة من شدو، ثم أعقبها صراخ استنجاد، وانتقلت العدوى بسرعة إلى معظم السباحين. تحرك من بالشاطئ على ظهر مركب فانتشلونا واحداً بعد الآخر، وكان من بيننا من بلغ سن الرشد، عزَّ عليه أن يخرج من الماء عارياً ويوضع ككومة قش على ظهر المركب التي سوف تضم نساء بين ركابها، فاستعان على موقفه الحرج بالبكاء، فجعل من نكبته نكبتين، العري والبكاء.
الموقف الثاني.. أراد به أن يمسح ويزيل عن نفسه تهمة الخوف، وذلك عندما قادتنا أقدامنا إلى الكنيسة الإنجليزية التي يمتد من ميدانها الكبير أنبوب قطره قدمان تقريباً وطوله ثلاثمائة. كان بعضنا يدخل فيه من إحدى فتحتيه ويزحف على بطنه إلى أن يخرج من الفتحة الأخرى، وهي مهمة شاقة فعلاً ومخيفة.
وفي ذلك اليوم تقدم شدو يريد أن يكون الأول في العملية، – عملية الاقتحام – لكنه بعد ثوانٍ معدودة وما زال جزء من قدميه خارج الأنبوب دوى صراخه، وبدأ يزحف إلى الخلف، وعندما لامست قدماه الأرض أطلق ساقيه للريح وهو يصرخ: راجل ميت.. راجل ميت. وجربنا خلقه، ناجين بجلودنا. واكتمل عددنا بعد المشوار الطويل، وجلسنا نبحث الأمر.. قال البعض وهو يبكي إن البوليس سيلقي القبض عليهم وسوف يحكم عليهم بالإعدام. اقترح آخرون إبلاغ الحكومة، وكانت الحكومة ممثلة في سجن ود مدني قريباً من الكنيسة الإنجليزية، يقف على بابها سجان يحمل بندقية. اقتربنا منه وصرخنا بصوت رجل واحد: يا عمي العسكري، جوَّه راجل ميت جوَّه الماسورة. ولذنا بالفرار من أمامه.
وعبد العزيز الرجل، أفسح له القدر مكاناً في تاريخ السودان حين دخل الجامعة طالباً بكلية الآداب. بعد أسابيع أرسل مدير الجامعة يريد الطلاب الجدد جميعهم بالسنة الأولى بالآداب، فجاء عبد العزيز شدو، فقد كان الطالب الوحيد في كليته، فخيَّره مدير الجامعة بين التجميد (تجميد عام كامل)، أو اختيار كلية أخرى. ففكر قليلاً، ووجد أن أصدقاءه في كلية القانون، فانضم إليهم.
ولكن الأقدار ادخرت له أدواراً أدخلته، ومعه مهنة القانون، التاريخ في السودان.
أولاً: هو من نظر في قضية (عنبر جودة) الشهيرة في محكمة كوستي، كان هو قاضيها، وهي واحدة من أخطر القضايا السياسية التي بدأت بالاعتقال وانتهت بمأساة ذلك العصر.
وجاءت المفاجأة في حيثيات القاضي عبد العزيز شدو التي انتهت ببراءة المتهمين، وهتف الناس بحياة العدل، وكان من أبرز من بُرِّئوا أمام القاضي شدو الأستاذ كامل محجوب الذي كان يتولى مهمة ضابط مزارعي الجزيرة.
عبد العزيز شدو المحامي، استحوذ في قضية الدكتور بهاء الدين محمد إدريس على إعجاب الشعب السوداني قاطبة إلى الدرجة التي استنبطت فتيات السودان رقصة للعروس اسموها – رقصة شدو – أصبح الرجل موضة لذكائه اللمَّاح، وفي استجوابه للشهود، وفي مناقشته للمحكمة، الأمر الذي استفز بعض الشخصيات المعروفة.