كمال حامد يكتب: وعدت السعودية وأوفت وسارعت للمجد والعلياء

من السبت إلى السبت

كمال حامد

 

وعدت السعودية وأوفت وسارعت للمجد والعلياء

ترامب: من بن سلمان عرفت السودان ثقافة وتاريخاً

 

 

وعدت المملكة بالوقوف مع السودان وأوفت، وستظل توفي منذ عهد الملك عبد العزيز المؤسس وعهد أبنائه سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله رحمهم الله، إلى الأبناء والأحفاد. قائمة طويلة ممن أعرف من المواقف في هذا البلد الطيب، وكانت الثمرة والهدية الأخيرة من ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان.
ظللت أكتب عن المملكة من واقع معايشة حقيقية من شاب في مطلع العشرين من عمره وصلها في 1975/9/9م، وبنى في مدنها الكبيرة أسرته وتأمين مستقبلها، ولا يزال يعيش فيها معززاً مكرماً وقد اقترب من الثمانين، وكذلك ابناؤه يخدمون بإخلاص، منهم الصحفي والطبيبة والمهندس في مدن المملكة الطرفية. لهذا أكتب وأكتب وأُشيد وأنشد معهم (على هام السحب، وسارعي للمجد والعلياء، ومجدي لخالق السماء، وارفعي الخفاق أخضر ينشر النور المسطر، واهتفي الله أكبر).
اعذروني فقد هزّتني كلمات عفوية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وطني السودان (لم يكن السودان ضمن اهتماماتي وظننتُه بقعة من كوكب الأرض يتصارع فيها المرتزقة بلا حكومة، ولكن أخي محمد بن سلمان صححني وأبلغني بأن السودان بلد له تاريخ وثقافة ويستحق الوقوف معه. أليست هذه عباراتك صديقي محمد؟).
كنت على حق حين وصفت مواقف الأمير محمد بن سلمان بأنها ثمرة من ثمار ما قدمته المملكة ورجالها للسودان، ولأن هذا الموقف أتى في لحظة مفصلية من تاريخ السودان ووجوده واستعادة ثقته ودوره كبلد ظل في كل تاريخه مع الأصدقاء والجيران ومناصراً لحركات التحرر الإفريقية، ومشاركاً بجيشه في نصرة من يطلب في العلمين وفلسطين والكويت والجبهة المصرية، وفي صيدا وقناة السويس، كما كانت عبارة المرحوم عمر الحاج موسى أعظم رجال السودان في السياسة والعسكرية والبلاغة.
التطور الأخير وحسن وسلامة نوايا ولي العهد السعودي وحماس ترامب ليكون رجل السلام، الذي كشف أنه وُجِّه بعد ثلاثين دقيقة من طلب بن سلمان للعمل الجاد لحل أزمة السودان واستقراره، هو موقف، وللرجال مواقف، ولن يتعب الرئيس الأمريكي فقد سبقه الكونغرس ووزير خارجيته والصحافة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بتحديد مكان الألم والاعتداء والمعتدين، والترويج بالعقوبات للمنظمة الإرهابية.
دقت ساعة الجد وننسى ما مضى من مبادرات ومقترحات للمفاوضات وإعلان هدنة، ولنجعل الرئيس الأمريكي يفعل ما وعد ويوقف الحرب كما أوقفها بين الهند وباكستان وغزة ومشروعه نحو أوكرانيا. أرى أن التحية السريعة من الرئيس البرهان لترامب وولي العهد بمثابة الموافقة والضوء الأخضر، ولتتوقف كل التصريحات النارية ويسعد شعبنا بالاستقرار والعودة بعد مرحلة الضياع والأذى والألم والموت وانتهاك الأعراض.
نعم، شعبنا يشتاق للاستقرار وكفر بألاعيب السياسيين ولا يأمل وجودهم خلال فترة إعادة الثقة والإعمار، ولا يريد وجوهاً جرّبها، ومنهم إسلاميون، قحت، تقدم، صمود، تأسيس، أحزاب متشرنقة أو موحدة. نريد وجوهاً جديدة متفقاً عليها، ويتفرغ أهل السياسة لبناء قواعدهم وتجديد الولاء، وإن لم نجد وجوهاً مقبولة فمرحباً بحكام أجانب لإدارة مباراة الفترة الانتقالية وإعادة الإعمار.
إذا تحقق الأمل ووقفت الحرب وعودة الاستقرار، وهي مرحلة مهمة أو هي الجهاد الأكبر: جهاد إعادة الأعمار وتصفية النفوس وعلاج الآثار النفسية، ثم تقدير من تحمل الكثير من أهلنا وجنودنا ومن معهم، والترحم على الشهداء، ونسأل الله تعويض ما فقدناه.
ولا ننسى تقدير من يستحق من الرجال خاصة من غير السودانيين، وهنا أجد شخصية الأخ سفير خادم الحرمين بالخرطوم السيد علي بن حسن جعفر، وأعرف عن قرب دوره وحماسه فيما اقتربنا من الوصول إليه، وأعضاء سفارته الذين بقوا بيننا منذ بداية الحرب ولم يغادروا السودان.
بعد هذا الواقع الجديد الذي حل بيننا وتبناه ترامب وبن سلمان، ليت إخوتنا في القنوات والإعلام يريحوننا من كلام وصراعات السياسيين والأدعياء وإشاراتهم لاجتماعات ومفاوضات علّهم يشاركون فيها، وهذا هو أملهم للعودة للسلطة والأضواء، كأنها لم تكفهم سنوات الإنقاذ الثلاثين والسنوات السبع الأخيرة الأسوأ في تاريخنا لما فيها من حرب وميليشيات ودماء وانتهاكات ونهب وتدخلات أجنبية.
أعود تاريخياً لما كانت عليه العلاقة السودانية السعودية المستقرة، وكل من البلدين والشعبين قد استفاد من هذه العلاقة، والتي بها بعض المحطات التي خلدها التاريخ، والسوداني بطبعه وأمانته مقبول في المملكة، ونتمتع كسودانيين بوضع مميز لاحترامنا القوانين.
لو أردت استعراض أبرز المحطات التاريخية لاحتجنا لمجلدات، ويحكي أهلنا كيف وجّه المرحوم الملك فيصل ممثله في جدة الأمير المرحوم عبد الله الفيصل لتسهيل احتفال السودانيين بالاستقلال ورفع العلم في 1956/1/1م، وسيرة الفيصل وأبنائه الذين أسسوا للاقتصاد الإسلامي في السودان، وبعد نجاح التجربة تم تعميمها، ويكفي وجود المساجد الفاخرة في معظم المدن وتحمل اسم (جامع فيصل).
سأواصل استعراض ما في الذاكرة حول علاقات البلدين السودان والسعودية، وسأخصص معظم مقال هذا الأسبوع للموضوع.

 

تقاسيم .. تقاسيم .. تقاسيم

 

قد تكون الرياضة متقدمة علاقةَ البلدين، فقد استعانت الأندية السعودية بنجومنا من مطلع الخمسينات في كل الأندية بدون استثناء، وفي كل المناطق، وقد وقفت ووثقت كل ذلك من خلال تجوالي العملي في كل ربوع المملكة، ووجدت مساعدة ومعلومات ووثائق وصوراً نادرة،
أبرزها صورة أول منتخب مثل المملكة في البطولة العربية في بيروت عام 1960م، كما وجّه سمو الأمير الراحل عبد الله الفيصل راعي الرياضة كابتن الأهلي عبد الله عبد الماجد أبوهيوت بجمع اللاعبين السودانيين للمشاركة. وجد الرجل نجمين سعوديين بارزين هما عبد الرحمن الجعيد وعبد الله كعكي، والأخير أعطاني الصورة التي تجمعه والجعيد وكابتن المنتخب أبوهيوت والحارس محمود بلية، ثم اللاعبين السودانيين سيد مصطفى، جربان، كشيب، زرقان، عبد الحفيظ ميرغني، بشرى إبراهيم، وعمر حامد رحمهم الله.
السعوديون الكبار سناً يذكرون ذلك، ويكفي أن سمو الأمير فيصل بن فهد باني نهضة الرياضة السعودية والعربية وصف أول لقاء بين منتخبي البلدين في 1983م بلقاء الطالب والأستاذ، وشيد لنا مقر الاتحاد السوداني ومقر المعسكرات، ودعم مشاركاتنا الخارجية بالمكرمات.
نذكر المرحوم الملك خالد وزياراته للسودان وإهداءه طائرته الخاصة للرئيس نميري، ونذكر المرحوم الملك فهد ودعوته لرجال الأعمال السعوديين للتوجه للسودان، وكذلك فعل المرحوم الملك عبد الله، وفي عهده انتشرت استثمارات الراجحي والمراعي ومصانع الأسمنت والزيوت السعودية، وحالياً يقوم مركز الملك سلمان بأعمال لا حصر لها في الإغاثة والعلاج.
مئات الآلاف منا يقيمون حالياً في المملكة بعد الحرب، تتجدد فترة الزيارة بصورة ميسرة، وكذلك الحصول على الزيارة الجديدة المجانية. المملكة تفعل هذا وتشجعنا على جمع المال والمساعدات لأهلنا، ويحفظ التاريخ لأهلنا وشبابنا هنا دورهم الكبير لسد كل الاحتياجات لذويهم في الوطن.
على ذكر وجود مئات الآلاف من السودانيين الموجودين بالمملكة منذ الحرب، فقد تم الإعلان عن العودة الطوعية لمن يرغب، في برنامج وطني قاده بجدة باقتدار الأخ السفير دكتور كمال علي عثمان ونائبه السفير دكتور أبو بكر محمد النور، والإعلان عن الاستعداد لإعادة خمسة وعشرين ألفاً. علمت أمس أن العدد لم يتجاوز ألفاً وثلاثمائة فقط، ربما لبعض ظروف الأمراض الأخيرة في السودان ومشكلتي الماء والكهرباء، وترحيب وتشجيع المملكة لمن يريد البقاء.
حسناً فعل رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس سرعة العودة لموقعه، ضارباً الإشاعات، وسرعة ترحيبه بمبادرة الأمير بن سلمان وترامب، والسلام الذي ظهر في الأفق القريب، ويضع يده في يد البرهان مع رغبة الشعب لوقف الحرب، والحملة الدولية لمواجهة المعتدين وبداية العقوبات ثم التحقيقات حتى لا يهرب أحد من العقاب.
تابعت هذا الأسبوع فصلاً من فصول عودة الأمن والاستقرار وعودة الشرطة السودانية لمواقعها خاصة في العاصمة. فقد وصلتني معلومات عن تجدد سرقة ما تبقى في بيتي بـ(بري) وبينات وشهود، وكلفت صهري باتباع إجراءات البلاغ، واتصلت بمن أعرف من الأصدقاء في الشرطة، منهم صديقنا ابن ولاية نهر النيل وبربر وعطبرة الفريق دكتور سراج الدين منصور مدير شرطة العاصمة وآخرين. وخلال يومين نشط قسم شرطة البراري مشكوراً مع أهل البراري الكرام في المهمة وحصر المعلومات والمضبوطات والمشتبه فيهم، اكتفيت بما تحقق مطمئناً على عودة الثقة ودور الشرطة المعروف. وجهت بوقف الإجراءات ونسأل الله أن يعوضنا أفضل مما فقدنا.
لا حول ولا قوة إلا بالله، رحم الله أخانا وجارنا العزيز عثمان حمد ناصر الشهير بـ(بني). نعرفه طيباً مع رفيق دربه المرحوم اسكوب، تعاملهما مع أهل الحي في بقالتهما الشهيرة، وكان من مسحراتية الحي، وبني كان لاعباً منها في الكورة، ولهذا كسبه نادي الشاطئ، وكان (فردة باك تمام). نسأل الله له الجنة والعزاء لأسرته وجميع الأهل والجيران في عطبرة والشمالية، إنا لله وإنا إليه راجعون.
من الدوحة بلغنا خبر وفاة الأخ العزيز السفير أبو القاسم الخضر بعد صراع مع المرض واجهه بشجاعة. والرجل عمل في العديد من سفاراتنا وقضى فترة قنصلاً بجدة. نسأل الله له الرحمة والعزاء لأسرته وأسرة شقيقه الرياضي المرحوم عبد الرحيم الخضر والأهل في العاصمة وسقادي، إنا لله وإنا إليه راجعون.
انتقلت لرحمة ربها بعد أيام في العناية المهندسة بالتلفزيون آسيا محجوب طه، وكذلك فقدنا الأخ الناقد الفني المخرج ياسر عوض، وكذلك الصحفي حسن محمد زين. لهم الرحمة ولنا ولجميع المسلمين، إنا لله وإنا إليه راجعون.
قد نلتقي السبت القادم إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.