كمال عوض يكتب: السودان بقلب بن سلمان وترامب آخر من يعلم!

قضايا وآراء

كمال عوض

السودان بقلب بن سلمان وترامب آخر من يعلم!

أستطاع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تحريك ملف الحرب في السودان على أعلى المستويات، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وشرح الأوضاع بصورة جيدة، جذبت اهتمام الرئيس دونالد ترامب وجعلته يوجه بالشروع فورا في خطط وتدابير إنهاء الحرب وإحلال السلام في السودان.
خطوة بن سلمان تصدرت نشرات الأخبار وصارت سيرة الأمير على لسان السودانيين، الذين أطلقوا هاشتاق (السودان في قلب بن سلمان)، ولن ينسى قطاع عريض منهم وقفة المملكة حكومات وشعبا معهم قبل وبعد الحرب، وهم يرون ويوثّقون لقوافل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والوفود الطبية والمنظمات، التي تحمل معها الاحتياجات العاجلة لإقالة عثرة الشعب السوداني، فتم إنشاء محطات المياه وتحليتها، ورفد المستشفيات بأحدث الأجهزة وإجراء العمليات المجانية، إلى جانب كثير من الأعمال الإنسانية الممولة من الأموال السعودية تمويلا كاملا. وهي جهود تعتبر امتدادا لما تقوم به المملكة التي وفرت فرص العمل لملايين السودانيين بأراضيها، فكانوا العون والسند لأهلهم خلال فترة الحرب، وهي إشراقات ومواقف سيتحدث عنها السودانيون جيلا بعد جيل.
اتخذ الأمير محمد بن سلمان قرارا تاريخيا وقرر بذل الجهد لأجل إنهاء الحرب في السودان، وهو الذي حمل هم إحلال السلام منذ الأسابيع الأولى للحرب حينما استضاف منبر جدة وفدي القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، ولم تنقطع تلك الجهود طوال الأعوام الماضية إلى أن أوصلها إلى البيت الأبيض. ولكن المحير حقا هو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أظهر جهله بما يدور في السودان، واعتقاده بأنها أرض فوضوية بلا حكومة ترتكب فيها فظائع لا يتصورها عقل بشر.
حسنا، لنفترض أنك لا تعلم الكثير عن السودان ولا عن الحرب التي تقترب من عامها الثالث، وخلفت أسوأ موجة نزوح ولجوء في العالم، ألم تطلع على مداولات جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك؟ ألم يصلك تقرير بشأن مضمون الجلسة الخاصة لمجلس حقوق الإنسان حول السودان؟ ألم تستمع إلى وزير خارجيتك مارك روبيو وهو يدين انتهاكات مليشيا الدعم السريع في الفاشر؟ ألم تكن تدري شيئا عما يفعله مستشارك للشؤون الأفريقية مسعد بولس واجتماعات الرباعية، وتواصله مع الإتحاد الأفريقي والإيغاد والإتحاد الأوروبي وبريطانيا وغيرها؟ ألم يصلك صوت منظمات حقوق الإنسان بأن السودان يشهد أسوأ مأساة إنسانية في العالم؟. وماذا عن وفودك التي تهبط في بورتسودان وتستقبلها الحكومة الشرعية التي كنت تعتقد أنها غير موجودة؟!.
حرب استمرت لثلاث سنوات، تمت فيها انتهاكات لحقوق الإنسان وإبادة جماعية واغتصاب وقتل وإخفاء قسري وتجاوز لكل الأعراف والمواثيق الدولية، كل هذا لم يلفت نظر الرئيس الأمريكي الذي يدعي بأنه مهموم بسلام العالم، ودولته تتحدث ليل نهار عن حقوق الإنسان وعدم إفلات الجناة من العقاب، ومنظمات دولية وإغاثية وجهات حقوقية وعدلية وسيناتورات ينبهون باستمرار لما يحدث في السودان.
كل هذا لم يعره ترامب أي اهتمام ولم يطلب يوما أن يعرف كيف تم ارتكاب هذه المجازر. كل هذه الأنهار وشلالات الدماء لم تلفت انتباه الرئيس المبجل، بينما القاصي والداني يتحدث عن حرب السودان وترامب آخر من يعلم!.
هل هذا منطقي؟ بالطبع لا. إذن لماذا قال ترامب ذلك؟ إنها أكبر عملية هروب وتنصل من المسؤولية مارسها رئيس أقوى دولة في العالم على الهواء مباشرة، حتى لا يتم سؤاله عن لماذا تقاعسوا عن إيقاف دعم الإمارات للمليشيا التي عاثت فسادا ولم يردعها أحد سوى أبطال القوات المسلحة السودانية.. هرب حتى لا يسأل عن كيف وصل السلاح الأمريكي إلى أيدي قوات الدعم السريع التي مارست القتل والتشريد والإبادة تجاه ملايين السودانيين. هرب حتى لا يتهم بتجاهل نجدة النازحين واللاجئين السودانيين وتركهم يواجهون المرض والجوع والموت في مخيمات تفتقد لأبسط مقومات الحياة.
هرب لأنه يريد إضعاف السودان حتى يسهل تفكيكه ونهب ثرواته التي تسيل لعابه.
هل وعى الشعب السوداني الدرس؟ إنه منطق القوة وسطوة المال الذي كان بإمكانكم تحقيقه، ولكنكم تركتم البلاد الغنية بمواردها وكوادرها التي تؤهلها لأن تكون في مقدمة الدول، واخترتم الحرب والتفرقة، فتجاهلكم العالم وصار يراقبكم من على البعد وينتظر اللحظة التي ينقض فيها على الفريسة السهلة، ولكن هيهات فالشعب السوداني أقوى من كل مؤامرات التقسيم وعزيمته لا تلين في مواجهة المصائب والمحن. وسترون.
لا أحد يرفض السلام، ولكن هذه الحرب التي فرضت علينا، نحن كشعب ينبغي أن يسمع صوتنا وتستصحب شروطنا، نحن الشعب السوداني أصحاب الوجعة وأكثر المتضررين، ومن الواجب جبر الضرر. هناك أرواح أزهقت وأموال سلبت وكرامة أهينت، فكيف يتم تعويض ذلك؟.