إبراهيم عيسى هدل يكتب: علمي أنت رجائي…

علمي أنت رجائي…

إبراهيم عيسى هدل

يُعدّ مقترح رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان بالعودة لعلم الاستقلال تأكيدًا على تمسّكه بدولة ٥٦ وراية الاستقلال التي رفعها على سارية القصر الجمهوري الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري، رئيس الوزراء حينها، مع زعيم المعارضة محمد أحمد محجوب. ذلك العلم الذي رسمته المصممة السريرة مكي بألوانه الثلاثة: الأزرق والأصفر والأخضر، وتوشّحته ثوبًا سودانيًا الفنانة الراحلة “حواء الطقطاقة” في ذلك الاحتفال المهيب بحديقة القصر في الأول من يناير ١٩٥٦م.
وكان أول علم للسودان هو ذلك العلم الأبيض الذي كُتبت عليه بالإنجليزية كلمة Sudan، وقد رُفع في مؤتمر باندونج في أبريل ١٩٥٥م، والذي حضره أبو الاستقلال الأزهري، حيث تشكّلت نواة دول عدم الانحياز بإندونيسيا. أمّا العلم الحالي فقد صمّمه نظام مايو الاشتراكي في عهد الرئيس جعفر محمد نميري، مجاراةً للمدّ القومي العربي، حيث تمّ تبديل علم استقلال السودان بعلم يمثّل الانتماء العروبي بألوانه: الأبيض والأحمر والأسود والأخضر، والمقتبسة من البيت الشعري لصفي الدين الحلي:

بيض صنائعُنا سود وقائعُنا
خضر مرابعُنا حمر مواضينا

وإبان انتفاضة أبريل ١٩٨٥م برز تيار ثوري يطالب بـ “كنس آثار مايو كنسًا”، وفي مقدمتها علم الدولة ورمزها الذي بدّله النظام المايوي. ورغم اتخاذ حكومة الصادق المهدي قرارات بشأنه في الديمقراطية الثالثة كثيرة الكلام والتنظير، قليلة الفعل ومعدومة الإنجاز، إلا أنّها لم تجد طريقها للتنفيذ، فبقي علم السودان في العهد المايوي كما هو، خاصة بعد أن اتّخذت بعض الدول الأفريقية ألوان علم الاستقلال القديم علَمًا لها، مثل الغابون ورواندا مع اختلاف ترتيب الألوان؛ وقد ميّزت رواندا علمها بقرص الشمس أعلى اليمين مع زيادة مساحة اللون الأزرق الفاتح عن اللونين الآخرين أسفله. كما تشاركنا في ألوان علم الاستقلال دول أخرى، لعل أبرزها البرازيل بعلمها المميّز ذي اللون الأخضر وداخله مُعيَّن أصفر يحيط بكرة زرقاء في منتصف العلم.
ويرى البعض أن الحديث عن الأعلام والرموز والرايات يُعدّ ترفًا فكريًا وانصرافًا عن معركة الكرامة الوجودية في ظل التآمر الدولي على السودان، فالأولوية ينبغي أن تتوجّه لوحدة البلاد وتماسك أراضيها ومنع شبح التقسيم الماثل. ومع ما في هذا الرأي من وجاهة وموضوعية، إلا أنّ التمسّك برمزية دولة ٥٦ وعلمها يُعدّ جزءًا من المعركة الوجودية التي يخوضها السودان منفردًا، بعيدًا عن وهم القومية العربية، لا سيّما بعد أن اختار بعض الأعراب تحطيم الدولة السودانية وتمزيقها إربًا إربًا حسدًا من عند أنفسهم، بالوقوف خلف المتمرّدين ودعمهم عسكريًا ولوجستيًا وإعلاميًا، وبرشوة عدد من رؤساء دول الجوار الأفريقي بمليارات الدراهم والبترودولار.
ومهما يكن من شيء، ينبغي أن تؤكّد المناهج التي تضعها وزارة التربية والتعليم، والبرامج التي تُعدّها وزارة الثقافة والإعلام، على الدلالات الرمزية والمعنوية لهذه المرحلة من معركة الكرامة، بالعمل على ترسيخ معاني هذه الرموز الوطنية لدى الناشئة وعامة المواطنين. فاستقلال السودان الثاني مُهَر بدماء الشهداء ونضال المجاهدين لردّ عدوان المتآمرين المحليين والدوليين، وتحرير كل شبر من أرض السودان دنّستها أقدام المتمرّدين والمتآمرين النجسة. كما يجب أن تواكب هذه المرحلة ملحمة كبرى من الفعاليات الثقافية والفنية والأنشطة الرياضية التي تُبشّر بعودة الحياة والروح للعاصمة المثلثة، ورفع راية الاستقلال مجددًا على سارية القصر الجمهوري في العيد السبعين لاستقلال السودان، مستذكرين قول الشاعر:

علمي أنت رجائي…
أنت عنوان الولاء…