د. عمر كابو يكتب: خطوة أهالي غزة: نحن أولى الناس بها
ويبقى الود
د. عمر كابو
خطوة أهالي غزة: نحن أولى الناس بها
عقدت الدهشة ألسنة الرأي العام العالمي، وأهالي غزة يتدافعون نحو منازلهم الأنقاض لا يلوون على شيء، بعيد الإعلان عن اتفاق تم توقيعه مع العدو الإسرائيلي.
لقد رأيناهم يتدافعون زرافات ووحدانًا، كلٌّ يحمل متاعه سيرًا على الأقدام، في صورة تدل على تعلقهم بغزة الحبيبة وعد التاريخ.
ما تخلف منهم أحد، لمعرفة تامة بحجم المؤامرة التي سيقوا إليها سوقًا، تهجيرًا قسريًا لئيمًا من أرض مثّلت لهم الدنيا وما فيها حبًا ومكرمة.
إن كانت المؤامرة واحدة، والعدو واحدًا، والهدف بالنسبة له واحدًا بين ما تم لأشقائنا في غزة وبين ما حدث لنا في السودان، فإنه لابد من عودة كل مواطن إلى داره، أو على الأقل إلى مدينته.
حتى يعلم العدو الصهيوني الذي يتدثر بعباءة دويلة الشر، جنحًا لتمزيق الأمة العربية وتقسيم بلادها إلى دويلات صغيرة، أن مخططهم في التغيير الديموغرافي في السودان كُتب عليه الفشل الذريع.
لا أعلم أمة ذات تاريخ ناصع في مناهضة الاستعمار ومقاومته وكنس هواناته مثل الأمة السودانية، التي لها في ذلك أقدام راسخة لم تذلّ من بعد ثبوت في النخوة والصمود والإقدام.
أمة لا تعرف الاستكانة لمستعمر بغيض، ولا لمستبد طائش، ولا لغازٍ باطش؛ فكل هؤلاء تتعامل معهم بحسم لا يعرف التردد ولا الخذلان ولا الانكسار.
عودة المواطنين إلى مدنهم وأحيائهم وقراهم يجب أن تكون أولوية عند كل مواطن سوداني واعٍ يدرك حجم المؤامرة على وطنه وشعبه العزيز.
ومن حسن الطالع أن لجنة الجنرال العظيم إبراهيم جابر تبذل جهودًا جبارة لإعادة الخدمات الضرورية للعاصمة الخرطوم: صحة بيئة، وطرق، ومشافي، ومياه، وكهرباء، ومدارس، وجامعات وكليات.
وتقابل ذلك خطوات جادة من والي الخرطوم الرجل الهمام، وهو يواصل الليل بالصباح لأجل إنجاز مشروع خدمي متكامل يسمح للمواطنين بحياة رغدة تتوفر فيها على الأقل الخدمات الضرورية.
ينصب تركيزنا بالضرورة على العاصمة لأنها حوت وفوعت أكثر من خمس سكان السودان في السنوات الأخيرة قبل الحرب.
ومن هنا، فإن ذات الاهتمام يجب أن يشمل مدن السودان وقراه المختلفة التي طالتها يد التخريب بواسطة دويلة الشر، حربًا ضروسًا تخرج أهل السودان هجرة مفروضة تمكنها من استبدالهم بعربان شتات لا انتماء لهم ولا ارتباط ولا هوية.
عين العقل والحكمة تقول إن هذه الخطوة، أي عودة أهل السودان إلى مدنهم، تحتاج إلى تضافر جهود وإرادة صلبة وتكاتف وصبر من الجميع.
أهم عامل حاسم في ذلك هو توافر الجميع على وعي يخول إدراك عمق الأزمة وحجم المؤامرة؛ يومها سيتدافع الجميع نحو تحقيق هدف واحد هو تحطيم هدف المؤامرة.
هنا يجب على الجميع شحذ الهمم كلٌّ حسب سعته وقدرته؛ فالموظف مطلوب منه مزيد عطاء، والإعلام تقع عليه مسؤولية التوعية والتعبئة، والمؤسسات التعليمية يجب أن تتحول إلى معول بناء وقيادة مبادرات.
سعدت سعادة بالغة بانطلاق بعض المبادرات الجامعية من طلاب جامعة الخرطوم، وكلية بحري الأهلية، وكلية نبتة، والجامعة الوطنية لإعادة صيانتها وترميم ما دمرته الحرب.
جهد تقف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من خلفه تشجيعًا ومساندة ومؤازرة.
هنا نحتاج إلى رؤوس الأموال الوطنية ورجال الأعمال والمحسنين أن يجودوا بأموالهم أسخياء لإعادة بوابة الخدمات الضرورية.
فذلك وحده يمكنهم—إن أحسنوا التفكير—من إعادة تشغيل مؤسساتهم الاقتصادية بطاقتها القصوى: تصنيعًا، وزراعة، وإنتاجًا.
فعودة المواطنين تعني للعملية الاقتصادية رأس مالها الأساس: تشغيلًا، وخبرة، وأمنًا، واستهلاكًا.
أيها الناس، نحن أولى أهل الأرض ارتباطًا بأرضنا الحنينة؛ فقد علمتنا المنافي والغربة والسياحة والهجرة إلى بلاد أخرى أنه ما من أرض وديعة حنينة تسعنا بعطف وحب ومكرمة مثل السودان.
فالعودة إليه إذن يجب أن تشكّل أولوية قصوى عند كل مواطن عاشق لتراب وطنه مهما كانت الظروف والكلفة والمسغبة وضنك الحياة.
لا بد من (الخرطوم).. ولو طال النوى.