د. أمين حسن عمر يكتب: المحبوب عبد السلام ومشروع تزوير الاسلام (2)

المحبوب عبد السلام ومشروع تزوير الاسلام (2)

د. أمين حسن عمر

ذكرنا آنفا أن معهد راند لم يكتف بالتوصيات لتصنيع الإسلام المدني الديموقراطي بل ذهب إلى إقتراح تشكيل شبكات يسميها معتدلة وهي شبكات متنوعة لتكون هي الحاضنة لهذا الوليد الجديد.
وراند يقترح دعم وتكوين مجموعة متناغمة من الشركاء المؤسساتيين التي يمكن أن تُعزّز تعبيرًا مدنيًا ومعتدلاً عن الإسلام، وتركّز التقارير على:
منظمات المجتمع المدني المحلية (جمعيات خيرية، منظمات حقوقية، منظمات نسائية وشبابية).
قيادات دينية معتدلة (علماء وخطباء ومؤسسات دينية تقليدية ومجالس فقهية ذات توجه مدني).
وسائل إعلام ومنصات نقاش معتدلة (صحافة، إذاعات، ومؤسسات إعلامية إسلامية معتدلة).
مؤسسات تعليمية وأكاديمية (جامعات، مراكز تدريب، برامج مناهج إصلاحية).
شبكات المغتربين في الدياسبورا والمؤسسات عبر الحدود (مؤسسات في العالمين العربي والغربي التي تربط بين الناشطين والإمكانيات).
مؤسسات فكرية (think tanks) ومنظمات تدريب قيادية تعمل على تطوير قيادات مدنية وإصلاحية. راند الذي تحولت توصياته الي مشروع وظيفي شامل يقترح:
قاعدة بيانات دولية للشركاء المحتملين والحاليين لتحديد من هم الفاعلون المحليون وإمكاناتهم. (اقتراح بإنشاء (قاعدة) موحّدة).
• برامج بناء قدرة (capacity building): تدريب قيادات مدنية ودينية على مهارات الحكم الرشيد، الحوار، إدارة منظمات، وإنتاج محتوى إعلامي معتدل.
• شبكات اتصال، منتديات دورية (مؤتمرات، ورش، تبادل خبرات بين منظمات محلية وإقليمية ودولية).
• دورات تبادل وزيارات دراسية لربط نشطاء ودعاة ومثقفين مع بيئات تشجع الإسلام المدني.
• آليات تغذية راجعة (feedback loops) لقياس الأثر وتصحيح البرامج عبر مراقبة النتائج وتحديث الاستراتيجيات.
هذا وقد قطع المشروع الراندوي هذا شوطا بعيدا في التنزيل و التنفيذ، ربما بما يتجاوز توقعات مقترحيه ورعاته الأوائل، وربما كانوا قد رأووا علامات نجاحه البارزة في السودان في مرحلة ما بعد الإطاحة بالإنقاذ، فقد حقق الشروع الراندوي نجاحا ملحوظا على عهد تحالف حمدوك وحميدتي على ما يمكن ان يتصوره المرء من تباعد الشقة بين الرجلين لكن إنسجامهما الخارق للتوقعات أذهل المخططين فقد رأوا كيف نهض أحدهما بدور المؤسس الجديد والآخر بدور الحارس الأمين للمشروع وأبصروا في دهشة وإعجاب كيف تكامل نشاط الشبكات المتعددة لإلغاء آثار (نظام الإنقاذ) نظام الإسلام السياسي على صعيد الاقتصاد ليعود ربويا على مذهب قحت وعلى صعيد المناهج لتكون علمانية على مذهب القراي وعلى صعيد القوانين لتكون على طريقة عبد الباريء وحنان (لتجيز الخمر والمثلية). وأما صاحبنا المحبوب وصاحبه المفرح الذي ظل يبحث عن الوثنيين ليعيد لهم حقوقهم، وثالثهم المزمل المدخلي الذي وجد في حمدوك وليا للأمر تجب طاعته ولو أصبح بأثر ملحوظ من آثار أنس الليل، فهؤلاء كان واجبهم الوظيفي إضفاء
النكهة الدينية الراندية، المفارقة للإسلام السياسي، ولم يكن المطلوب هو تجنب ما يسمونه الإسلام السياسي بل شن الحرب الضروس الفكرية والسياسية والإعلامية عليه وعلى معتنقيه وإنكار حقوقهم ودوسهم دوسا، ودوس من يناصرهم ويؤازرهم

الخارجون هم الأنكى:

يقال أن الخوارج من الصف هم الأنكى في عداوة الصف الذي خرجوا منه ثم خرجوا عليه، لما علموا أن في الإسترباح من عداوته رزق وفير. ولا أدري لماذا تذكرني الرانديه التي هي إعتناق مذهب معهد راند والإصطفاف في شبكاته، تذكرني مذهب الرواندية القديم لأبن الرواندي. وليس الأمر تشابه الأسماء بل تشابه الطرائق والمذاهب فأبن الرواندي الذي صار هو ومذهبه من بعده رمزا لحركة الإلحاد في تاريخ الإسلام بدأ خادما للعلم والفقه في المساجد ثم جذبته حركة المعتزلة بطريقتها النقدية في نقد الشائع من مذهب السلف فاصبح خادما في أعتابهم وناسخا لكتبهم، ثم أنه خرج من نقد المذاهب إلى نقد الإسلام في أصوله زاعما أنه سوف يتوصل لاسلام عقلاني يقوم على معايير العقل والمنطق فحسب، فضل بذلك ضلالا بعيدا حتى بلغ إلى ساحل الإلحاد وخاض في موجه الصاخب.
أما الروانديين الجدد أو إن شئت الراندويين الجدد فقد سلكوا ذات المسلك من نقد الإسلام ذاته وليس الإكتفاء بنقد مذاهبه التأويلية لكنهم لما علموا أن نقد الإسلام في نسخته المعتمدة شعبيا سوف يعزلهم ويقصيهم عن عامة الأمة، جعلوا للإسلام المعلوم للكافة إسما جديدا هو الإسلام السياسي وتحت هذا المسمى إنتقدوا عقيدة الإسلام التوحيدية وشريعته الحاكمة بل وقيمه الأخلاقية. وأصبح القرآن لديهم وثيقة تاريخيّة قابلة للنقد والتفكيك، وصارت السنة موضوعا للهزء والتشكيك، وصار الصحابة عليهم الرضوان مواضعا للطعن والتفنيد. وربما يسأل السائل أين موضع صاحبنا المحبوب من هذا كله والإجابة سيجدها المستفسر عندما نتطرق لأقاويل الرجل ونقده لما يسميه الإسلام السياسي وتاريخ الحركة الإسلامية وهو في نقده ذلك كله ليس إلا موظف صغير في المشروع الراندوي تحت عنوان حركة التنويريين الجدد.
ونواصل.