
د. أمين حسن عمر يكتب: المحبوب عبد السلام ومشروع تزوير الإسلام (4)
المحبوب عبد السلام ومشروع تزوير الإسلام (4)
د. أمين حسن عمر
كانت الفكرة الأولى التي كان موضع نقد المحبوب في الأطروحة الإسلامية هي فكرة الشمول في الدعوة الإسلامية، لكن فكرة شمول الفلسفة في الرأسمالية بنسختيها الكلاسيكية والنيوليبرالية، والتي تشمل الاقتصاد والسياسة والفن والقيم الاجتماعية، لم تكن لتزعج المحبوب، لأنها هي اللحظة الحضارية بذاتها. ولم تكن الماركسية، التي تخوض في كل ذلك، لتزعجه. ما يزعجه في الشمول هو الشمول الإسلامي، الذي يريد أن يحقق الإعلان الإسلامي الأول: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
أما الفكرة الثانية التي يراها المحبوب فكرة شاطحة، فهي فكرة تحكيم الشريعة بديلاً للنظم والشرائع العلمانية الأوروبية. يقول المحبوب:
كانت الفكرة الثانية أيام البنا هي الشريعة، والتي عبّرت عن نفسها بفكرة الحاكمية، وهي مخالفة لفكرة الشريعة؛ فالشريعة هي إصلاح قانوني في نظر البنا، لكن الحاكمية هي أن تُرد الحياة كلها لله: في الاقتصاد، وفي السياسة، وفي التعليم، وفي العلاقات الخارجية، وفي الجهاد والدفاع، وفي الإعلام. وهذا كان زعماً كبيراً، فاللحظة الحضارية لم تكن تسمح بهذا المستوى. وحتى الشريعة، بمعنى إصلاح في القوانين، كانت تعني إدخال القوانين التي يسميها الفقهاء الحدود.
والقرآن لم يكن يسميها الحدود، فالقرآن كان يسمي القوانين الاجتماعية هي الحدود. وكان هذا هو البرنامج السياسي للحركات الإسلامية.
هكذا يستخف المحبوب بأكبر حركة اجتماعية غيرت الأوضاع الفكرية والسياسية في المنطقة، وجاهدت لتحرير فلسطين، وجاهدت لطرد المستعمرين من القنال ومن مصر كلها، وأجبرتهم على المغادرة، وفجرت الثورة في عام 1952. ولئن قلب لها عبد الناصر ظهر المجن، فإن حقيقة أن الحركة هي من ألهمت الثورة، وأن قادتها من المتأثرين بها، هي حقيقة تاريخية، وإن جهلها المحبوب.
وقادة الثورة المصرية لم يخفوا ذلك، بل قاموا بتكريم واحتفال ضخم للمفكر سيد قطب في ذات العام 1952. هذه الحركة التي أظهرت وأبرزت التيار الفكري الإسلامي بعد أن كاد يندثر، لا يقال عنها إن غاية سعيها هو إدخال العقوبات الحدية وإصلاح جزئي للقوانين.
ولا أدري إن كان المحبوب طوال ثلاثين سنة وتزيد لم يكن يعرف البرنامج السياسي للحركة الإسلامية، ويظنه مجرد إدخال العقوبات الحدية في إصلاح جزئي للقوانين، ومجرد صرخة بالحاكمية التي ترد الأمور كلها لله، والتي كانت في نظر المحبوب زعماً كبيراً لا تسمح به اللحظة الحضارية.
ولا شك عندي أن المحبوب يدرك جيداً أن المشروع السياسي للحركة الإسلامية لم يكن إصلاحاً قانونياً جزئياً، ولم يكن مجرد هتاف بالحاكمية (المستحيلة في نظره القاصر).
فالمشروع السياسي للحركة الإسلامية، وبخاصة في السودان، كان مشروع تحرر شامل من سلطة الاستعمار، ومن هيمنته، ومن آثاره الفكرية والثقافية والاجتماعية. وكان ذلك منذ أن كان عنوانها حركة التحرير الإسلامي، وكانت مشروع تحررٍ شاملاً لطرد الاستعمار وإزالة آثاره، واستئناف الحياة الإسلامية وتحسينها؛ تلكم الحياة الإسلامية التي حاول الاستعمار طمسها بالقوانين العلمانية والمناهج الاستعمارية والنظم المخالفة لهدي الدين وتعاليمه.
هذا ولا يزال مشروع الحركة الإسلامية، الذي هو رد الأمور إلى أصولها الإسلامية بوجه شامل في الاقتصاد والسياسة والجهاد والدفاع والتعليم والإعلام. ومشروعها التحرري هذا هو ما يجعلها هدفاً للاستعمار بوجهه الجديد، لأنها تقف بصلابة في وجه مشروعات تزوير الإسلام، وتغيير نظمه، وإهمال أحكامه، وتبديل قيمه بقيم غربية فاسدة ومنافقة، هي ذات القيم التي تمثل اللحظة الحضارية التي جعلت المحبوب أحد الموظفين في مشروعها النيوليبرالي، الذي لا يرى في الإسلام إلا عائقاً للتقدم يجب إزالته عن قارعة الطريق، ليفسح المجال للقوى المدنية من أمثال أصحابه وصويحابته، الذين واللواتي يتعلقن بذيل اللحظة الحضارية التي انتهى إليها التاريخ بالعلو الأوروبي الأطلسي.
لكن ما لم يعلمه المحبوب، أو قد يعلمه ويتجاهله ويتغافل عنه، هو أن اللحظة الحضارية الآن لم تعد أوروبية أطلسية، وأن تلك الحقبة قد آذنت بالغروب، وأن الشمس صارت تطلع بنورها من المشرق لا من المغرب، وأن العالم يتغير بأسرع من قدرة بعض الأذهان الكسولة عن الإدراك.
نواصل