د. أمين حسن عمر يكتب: المحبوب عبد السلام ومشروع تزوير الإسلام (5)

المحبوب عبد السلام ومشروع تزوير الإسلام (5)

د. أمين حسن عمر

يبدو أن مهمة الرجل لم تكن مجرد المشاركة في مشروع مؤسسة «راند» لتزوير الإسلام، بل كان له دور إضافي يتمثل في تزوير تاريخ الحركة الإسلامية، عبر كثير من الروايات التي لا يملك عليها دليلًا ولا شاهدًا موثوقًا، بل هي مجرد كلمته في مواجهة الحقيقة التي سكت عنها الرواة. وكان أكثر الناس تضررًا من رواياته الأحادية الأستاذ علي عثمان، النائب الأول الأسبق لرئيس الجمهورية.
وللعجب، كان المحبوب في أغلب أيام وسنوات العشرية الأولى، قبل المفاصلة، من أقرب المقربين للأستاذ علي عثمان، ويشهد بذلك كل الطاقم الذي لازم الأستاذ علي منذ أيام وزارة التخطيط الاجتماعي، إلى وزارة الخارجية، ثم نيابة رئاسة الجمهورية. وكان الأستاذ علي عثمان يستعين به أحيانًا في كتابة البيانات والخطابات، واستمر الأمر كذلك حتى المفاصلة.
بيد أن المحبوب، بعد المفاصلة، تخصص في شن الحملات على الأستاذ علي عثمان، ورماه بالتآمر على الدكتور الترابي حتى قبل المفاصلة، وكاد أن يزعم أنه كان يرجو ألا يخرج الدكتور الترابي من الغيبوبة التي أعقبت محاولة اغتياله في كندا. ولم تكن تلك هي التهمة الوحيدة؛ فالتهمة الثانية ادعاؤه بتورط مباشر للأستاذ علي عثمان في محاولة اغتيال الرئيس مبارك، ثم دعوته لقتل من لجأوا إلى السودان ممن حاولوا اغتيال مبارك.
ورغم أن رواية المحبوب تكذبها روايات المخابرات المصرية والإثيوبية، التي أكدت أنه لا دور تنفيذي ولا تخطيطي لأي جهاز أو شخص في السودان، بل مجرد العلم بالمحاولة، مع اتهام بتقديم تسهيلات مرور دخولًا وخروجًا، وقد حوكم بعض المتهمين في إثيوبيا، وتأكد للمحكمة هناك عدم وجود أي دور سوداني في المحاولة، إلا أن المحبوب، ولإرضاء صاحب غرض معلوم، يُسأل فيجيب مؤكدًا ليس فقط ضلوع ضباط الجهاز الأمني، بل ضلوع نائب رئيس الجمهورية، وهي رواية تخدم غرض من يريد رمي الحركة الإسلامية بتهمة العنف والإرهاب، وهو بذلك عليم.
وتهجم المحبوب على علي عثمان لن يجد له شاهدًا واحدًا، بل الجميع يشهدون – رغم أن منهم من يختلف مع علي عثمان في كثير من الآراء والاتجاهات – للرجل بالانضباط وصرامة الالتزام بالخلق النبيل. وقد يعلم المحبوب أنني ما كنت تركت المستشارية الصحفية في رئاسة الجمهورية إلا احتجاجًا على ما قلت آنذاك إنه تدخلات علي عثمان في عملي، ولكن غضبي لم ينقص من احترامي للرجل قليلًا ولا كثيرًا.
وليس علي عثمان وحده من رمته قوس المحبوب، التي ما شدّ منزعها إلا لتصيب أحدًا من الحركة الإسلامية؛ فالحركة الإسلامية عنده جماعة ساذجة غير عليمة، تظن أن بوسعها تغيير العالم، وهي لا تعرف حتى معاني الأشياء التي تتكلم عنها. حتى إن الدكتور الترابي نفسه – بحسب زعمه – لم يعرف معنى الدستور الإسلامي إلا بعد تأمل سبع سنوات قضاها في السجن، ليخرج فقط بمعرفة معالم ما يدعو إليه. لكن من يجهل معنى الدستور الإسلامي هو المحبوب نفسه لا أحد سواه.
فرجل الشارع البسيط كان منذ العام 1954 يدعو للدستور الإسلامي، ويعرف أنه الإطار القانوني والتشريعي للدولة، الذي لا يجعلها امتدادًا لدولة الاستعمار، التي أبطلت كل التاريخ الإسلامي في السودان منذ تأسيس دولة الفونج. أما تفاصيل الأحكام فأمر متجدد مع تجدد الأحوال والأزمان.
سيظل المحبوب يتحدث في كل المنابر، ويملأ الأسماع والأوراق بروايات أقل ما يقال فيها إنها تشبه المرويات الإسرائيلية؛ ربما لا تستطيع تكذيبها برواية مخالفة، ولكنك لا تصدقها، لأن رواتها – وقد حرفوا التوراة نفسها – فكيف بهم مع القصص والحكايات؟