
الطيب عبد الماجد يكتب: هجر الرهيد يوم جفا
هجر الرهيد يوم جفا
الطيب عبد الماجد
كردفان مع الدعاش والمطر رسلت (عبد القادر سالم)، وكان جنوبيًّا هواها
من عروس الجبال (الدلنج)
أطلّ الرجل يحمل شموخ علوّها وصفاء طبيعتها، فجاء صوته دافئًا وحنينًا ومختلفًا…!
(عبد القادر سالم) فنان لطيف ومتميز ومثقف موسيقيًا
استطاع أن يمزج هذا التراث البِكر مع التوظيف الموسيقي، فخرجت لنا أغنية كردفانية الملامح، سودانية الهوى، عذبة الطعم، تذوقها كل السودان…!!
واستطاع الرجل أن يفرض هذا اللون الغنائي الدسم، فدندن في البيوت وسماعات السيارات (البتحوم) في شوارع الخرطوم، وقالت كردفان كلمتها في (السنتر)
وجوه شارع الجمهورية…!!
وتمخطرت (البنية) الفايح نساما في كل الربوع، ووصل عطرها تماس (سنكات) وتخوم (حلفا)
وفيك الوساما الله علاما
استصحب تراثًا مُلهمًا، وشدّ به الرحال نحو أسماع وطن ذَوّاق، وسط منطقة بها ثراء في الإيقاع والمزيج وتنوّع في الأغنيات والأهازيج…!!
فعرفنا (المردوم) كما يجب أن يكون… و(كمبلت) الخرطوم
هذا الإيقاع الراقص، والذي يحاكي مسارات (الأبقار) وهي تضرب الأرض جيئة وذهابًا، تجوب المراعي والكثبان في رحلة البهاء والصيف، والمرتبط بالجزء الجنوبي من كردفان
فجاءنا به هذا الموهوب (ديليفري) إلى عتبات المدن وأقمار الضواحي
غنّى عبد القادر (اللوري حلّ بي)، فركبنا (شماعة)
والليلة غاب تومي خلّوني يا خلايق…!!
وهي (رياح جنوبية غربية مثيرة للعواطف والأفئدة)
ولأنّو (لعاب) أراد أن يعرفنا أن هذه المنطقة متعددة الإيقاعات، وبها ثراء لحني متدفق…
فجاء بالجراري… و(جرّانا كلنا)
واستمعنا لأغنية كردفانية صميمة… لابسة بنطلون وقميص
وعراقي وجلابية…
ليحلّ عبد القادر سالم مع كبار الفنانين في السودان، وكصاحب مشروع ورسالة
وعلى إيقاع (الجراري) كانت (المريود) الرددناها بحب
تدفّق فيها (السالم) حنية ولطافة، والأغنية هي المركبة الوحيدة التي تنقلك من مكان إلى آخر من غير جاز ولا بنزين مهما كانت المسافة
لكن إحساسك بكون راكب الدفع الرباعي التقيل…!!
والمريود يسلّم على أهلنا المريود
لم يكتفِ عبد القادر سالم فقط بإيقاعات (كردفان)، فاستخدم كثيرًا من الإيقاعات السودانية الرائجة، وغنّى باللغة العربية الفصحى… وركب السلمين السباعي والخماسي بذات الخفة والرشاقة
شال التراث في قلبو وجانا بيهو راجع
وكان من أكتر الفنانين الحاولوا معالجة التراث ونقله إلى دوائر استماع أكثر اتساعًا…!!
(والدوائر مشغولة حاليًا)
كردفان حيث الصحراء والجبل والوديان، وهذا المثلث
كفيل بأن يتدفق قصصًا وحكايا
ومكتول هواك أنا من زمان…
تشاركها له ذات مرة (أبو اللمين)، فتاهت (كردفان) بين
حلاوة (الباشكاتب) وحنية (عبد القادر)
في مباراة استضافتها (مدني) والسودان مستمتع
وجيناك زي وزين هجر الرهيد يوم جفا
الأغنية دي ملحّنة بالسباعي، وتدفّق فيها فضيلي جماع، بثّها تلفزيون اليمن عدة مرات، فرددها اليمنيون بحب…
وعامت الوزة في (صنعاء)…!…
وليه (وزتنا) ما بيّة نعومي
والتقى عبد القادر سالم عبد الله الكاظم
شلال القصيدة الكردفانية وترجمانها في أجمل الأغنيات، فنقل المفردة هناك بكل حنيتها وجمالها إلى آفاق أرحب، وبدلال
يا فينا بتمنى
علينا خاف… خاف الله كان درتا بهدلنا
التقى في (يتيمة) مع الشاعر يوسف حسب الدايم، جوّه الصندوق في (ليمون بارا)، فكان هدفًا صريحًا
وهي من الأُغنيات المبهجة والعالقة في أذهان الناس بخفتها ورشاقتها، كتبها يوسف حسب الدايم، ويوسف دا من دارفور، مولود في (برام)، وغمسها في عسل (المردوم)، فقد عاش طفولته في (الدلنج)، وتناولها منه الدكتور عبد القادر، وتذوقناها في كل مدن السودان…!!
وما أجمل الفنون التي تُحدث هذا التلاقي النبيل…
ويا إخوانا شيلوا الجلالة…!!
(عبد القادر سالم) فنان كبير ولا غرو في ذلك، فقد كان
معلّمًا خبر دروب التعليم، وصال فيها وجال… ومن يمسك الطبشيرة بكون (معلّم) في أي حاجة
لذلك كان سفيرًا فوق العادة للأغنية السودانية، طاف بها شرقًا وغربًا…!!
ورقص (الفرنجة) على وقع موسيقاه وأغنياته
وتم تكريمه في العديد من المهرجانات الدولية، صوتًا للسودان وناقلًا لتراثه في تلكم المحافل…!!
وتم منحه الدكتوراه الفخرية تقديرًا لإثرائه كل المحافل
ترجّل (عبد القادر) اليوم، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، ليترك فراغًا كبيرًا… ومضى ملوّحًا بذات الابتسامة والصفاء، ولوّح السودانيون المنتشرون في الأصقاع ومن داخل الوطن الكيان
مودّعين فنانًا شاركهم الفنون والجمال واللحون…
وهجر الرهيد يوم جفا…!!