
كمال حامد يكتب: أهلاً أمّ المدائن
من السبت إلى السبت
كمال حامد
أهلاً أمّ المدائن
**أستاذ التاريخ الأكاديمي الدكتور عثمان السيد محجوب له العديد من المؤلفات والدراسات، تعجبني دراسته التي أطلق فيها أسماء بعض الأمهات، فقد سمّى السكة الحديد أمّ المصالح، وسمّى مدرسة عطبرة الثانوية القديمة أمّ المدارس، وسمّى مدينة عطبرة أمّ المدائن، وشرح كل ذلك بأسلوبه المعتمد على التاريخ.
**أمّ المدائن عطبرة لأنها مدينة عصرية، والوحيدة وُلدت بشهادة ميلاد أصلية في العام 1905م، ولم تكن موجودة قبل هذا التاريخ، إنما الاسم كان الحيّ العريق (الداخلة) التي ترقد على ضفة نهر النيل الخالد في أولى خطواته للاتجاه شمالاً بعد اقترانه بنهر عطبرة الذي يأتي هائجاً من مرتفعات الهضبة الإثيوبية.
**وصل جيش الفتح الاستعماري من مصر فارضاً سيادته للوصول لضرب دولة الثورة المهدية في عاصمتها أم درمان، واعترض طريق الجيش الغازي نهر عطبرة، أو من نسميه الأتبراوي، فاحتاروا وفكّروا في إقامة جسر يمكنهم من العبور والاتجاه شمالاً للخرطوم وأم درمان، أهدتهم الحيرة والفكرة وسحر المكان الواقع بين نهرين للبقاء وتأسيس وتأثيث مدينة تُنقل لها رئاسة السكة الحديد من وادي حلفا، فكانت عطبرة مأخوذة من اسم النهر، وعاصمة السكة الحديد، وقيام المدينة مناصفة بين السكة الحديد: الإدارة، القاطرات، الورش والمخازن الهائلة، وبين الأهالي الذين توافدوا للعمل في السكة الحديد، وهذه قصة (أمّ المدائن).
**في أمّ المدائن برزت أمّ المصالح، وهي السكة الحديد، أول مصلحة حكومية في البلاد، كان مديرها عضواً في مجلس الحاكم العام، ويدير العديد من المصالح والإدارات، وهي الميناء البحري بورتسودان، ومصلحة المرطبات والسياحة، ومصلحة النقل الميكانيكي، ومصلحة الوابورات النهرية التي تعمل شمالاً من كريمة إلى دنقلا، ومن وادي حلفا حتى أسوان أو الشلال، وجنوباً من مرسى الخرطوم إلى كوستي ثم الجنوب، أما المصلحة السادسة أرجو ألا تتفاجأوا فقد كانت الخطوط الجوية السودانية، أليست السكة الحديد أمّ المصالح.
**أما أمّ المدارس عطبرة الثانوية القديمة، لم تكن الأولى إنما هي الرابعة، تأسست في 1954م في عهد الحكومة الوطنية المنتخبة الأولى في البلاد بقيادة الزعيم المعلّم الخالد إسماعيل الأزهري أبي الوطنية والتعليم، الذي قال كلمته في لقاء جماهيري: (إن الاستعمار لم يهتم بالتعليم إذ وضع ثلاث مدارس فقط خارج المدن الكبيرة، أقصد وادي سيدنا خارج أم درمان، وحنتوب خارج ود مدني، وخور طقت خارج الأبيض، أما حكومتنا سنبدأ بمدرستين: الأولى بعطبرة وسط العاملين، والثانية في رومبيك).
**وقبل الابتعاد عن ذكر الزعيم الأزهري الذي كان معلماً بالمدرسة الأميرية الوسطى بعطبرة، وفاز في أول انتخابات في 1953م، وكانت حكمة وعبقرية الشعب السوداني الذي انتخب حزباً واحداً ببرنامجه الوطني ليحكم وحده، وهي تجربة لم ولن أظنها تتكرر، فقد ظللنا نحكم بائتلاف حزبين أو أكثر أو بحكم عسكري، عاشت عبقرية الشعب السوداني المعلّم.
**تذكرت أمّ المدائن وأمّ المصالح وأمّ المدارس وأنا أكتب هذه المادة من وسط عطبرة حيث الأم الرؤوم التي ولدتنا وربّتنا وأرضعتنا حبها وحب الوطنية، وعجمت عودنا وقدمتنا للوطن الذي له حق علينا وعلى أمّ المدائن.
**أدخل عطبرة وأردد مع الشاعر الكبير الدكتور الزين عباس عمارة: (جيت إليك يا عطبرة يحملني حنين الذكريات الغابرة، أنا في الطريق أكاد أدفع للأمام محركات القاطرة، أرى شعاع النور عند المنحنى، ينساب يلمع كالسيوف الظافرة)، وكما كتب ابنها المناضل الكبير المرحوم الحاج عبد الرحمن: (يا عطبرة كم منك انبرى، سهم يجلجل صوته لا لن نباع ونُشترى، نحن الدروع لأرضنا نحن الطليعة الثائرة، لا نامت الجبناء لا عاش من بكِ ازدرى، يا عطبرة).
**سأواصل مع ناس عطبرة العمل ولن أتعب، وأفكر كثيراً عن كيف ومتى تكون البداية، فنحن في الأيام الأخيرة من 2025، وسنة 2026 على الأبواب، وتليها سنة 2027، وهذه تعني مرور مائة عام على قيام استاد عطبرة الذي يشير حجر أساسه بأن مدير السكة الحديد مستر باركر وضعه في 27/11/1927م، اقترحت ووجدت من يوافقني ويشجعني بأن نبدأ من اليوم الأول للسنة الجديدة، أي بعد أربعة أيام، الإعداد لاحتفالية مئوية استاد عطبرة.
**توقعت ألا يكون استاد عطبرة الأول أفريقيا وعربياً، وفي ذهني مصر وتونس الأكثر تقدماً رياضياً، أرسلت لأصدقائي الرياضيين في البلدين بسؤال واحد فقط عن أول ملعب لكرة القدم، وجاءت الإجابات، من مصر أكدوا أن ملعب الإسكندرية هو الأول افتتح في 1929م، تبعته بعد ذلك ملاعب، أما في تونس فقد أوضحوا أن ملعب البلدية هو الأول افتتح في 1934م، وهو الآن يحمل اسم الشاذلي زويتن، (خلاص ملعب عطبرة ليس الأول في السودان فقط، إذ سبق دار الرياضة بأم درمان الذي سُمح فيه باللعب في العام 1935م، وكانوا يلعبون قبل ذلك في سوق القش وحوش الخليفة، وسبق استاد الخرطوم الذي افتتح في 1957م، أي بعد استاد عطبرة ثلاثين سنة كاملة، وأضحك لمن يسمونه شيخ الاستادات).
لبّاناية واحدة وطعمياية واحدة
**وصلت السودان وأدهشني الغلاء الفاحش، ولكن رغم هذا لازلت مؤيداً دعوة العودة الطوعية، لأن العودة نصف الاستقرار.
**أتابع بعض الجهود لتخفيف موجة الغلاء على الناس، ولكن المشكلة أكبر وتحتاج إلى نظرة أكثر حنية.
**ولتقريب المسافة حتى يسهل عليكم التوقع والوقوف على حقيقة الغلاء، كنت أرد على كل من يسألني: السودان كيف؟ كان ردي: السودان كويس والناس مبتسمة، لكن البيضة الواحدة بألف جنيه.
**مشيت الصيدلية لشراء دواء البروستاتة وللاطمئنان بوجوده، أحضرته الصيدلانية وقالت: 3 ألف و600 جنيه، قلت والله ما شاء الله أرخص من السعودية، ولكنها لم تترك لفرحتي أن تستمر، وأوضحت السعر للشريط الواحد، لأنه هنا ما في زول بيشتري بالصندوق، بالشريط أبو عشرة بس.
**كنت في مكتب اتصالات وقالوا عليك فاتورة قديمة، الموظفة الحسناء قالت عليك 8 آلاف ومائتين جنيه، طبعاً أنا متلخبط بين العملة القديمة والجديدة، ويتولى ابني الصرف، أداها 8 آلاف وبدأ يبحث عن المائتين، استعجلت وقلت أديها ألف وترجع الباقي، وقد حصل، الباقي 8 ورقات من ورقة العملة القديمة أم مائة جنيه، رفعت واحدة وسألتها دي بتجيب شنو؟ احتاروا كلهم على السؤال الصعب، وأخيراً أجابت بكل ارتياح: (غايتو بتجيب ليك لبّاناية واحدة بس).
**هذه ملاحظات أول يوم في بورتسودان، وليت الحال أفضل في عطبرة فقد تجيب لي المائة جنيه طعمياية واحدة، للأسف لن تجيبها لأن السبع طعميات بألف جنيه، (أظن وقع ليكم المقصود).
**برضه معجب بالناس المبتسمة، وبرضه مؤيد العودة الطوعية.
تقاسيم .. تقاسيم .. تقاسيم
**الغلاء يسحق الناس، والجهود لا يظهر أثرها بوضوح، وهذا يضع المسؤولين أمام تحدٍ كبير، لا سيما وهم يرون الصرف على مناسبات وناس وإرضاءات، هذا هو ناقوس الخطر الحقيقي.
**سمعنا باستضافة مدينة أبو حمد إحدى مجموعات الدوري التأهيلي، وقلت فرصة لزيارة الأصدقاء والمعارف، ولكن للأسف سمعت قراراً بنقل المجموعة من أبو حمد إلى دنقلا، والسبب قرار اللجنة الأمنية بمحلية أبو حمد، ولا أعرف ما دخل اللجنة الأمنية في مسألة رياضية وقرار لجنة ولجنة استئناف، وهل الأمن في أبو حمد هش لهذه الدرجة، تُلغى منافسة رياضية بعد افتتاحها؟ مهما تكن المبررات القرار خاطئ وله أثر سالب.
**أؤجل التعليق على ملاحظاتي عن مدينة بورتسودان للأسبوع القادم، وهي ملاحظات ليست مريحة لصديقنا الوالي الفريق مصطفى محمد نور، الذي لم ألتقه، وياريت ألتقيه في مقبل الأيام.
**قصدت مركز تأشيرة التابع لسفارة خادم الحرمين ببورتسودان، وحسيت مما سمعت عن معاناة طالبي التأشيرة والاستعانة بقوات الأمن وحالة إهدار الكرامة التي عشناها زمان، ووصلت لم أجد شيئاً مما سمعت، وعلمت أن الأزمة المحلولة كانت بسبب تحويل دفع بعض الرسوم من البنك السعودي وفروعه إلى بورتسودان، حيث كان الازدحام.
**وجدت من يقدر سني وصحتي واتكائي على عصاتين إحداهما آدمية، وعرض علي الجلوس، وأتى موظف بلدتي إلى المسؤول الأول الكابتن عادل المفتي، وكانت معرفة التراب قديمة بجدة، وبالصدفة وجدت معه زميلتنا الصحفية سهام منصور، وتم إجراء ما يُعرف بالبصمة في قلعة أنيقة ومقاعد مريحة تتوفر فيها المياه الباردة والشاي والقهوة والوجبة الخفيفة، تحية لهم، وليتهم يواصلون بهذا الأسلوب، لقد تفيدهم دعوات طالبي التأشيرة عند وصولهم لأرض الحرمين.
**بدأت بمجرد دخولي عطبرة وقبل الوصول للبيت بتقديم واجب العزاء، ولم أكمل وسأواصل إن شاء الله، وكذلك ينتظرني زيارة بعض الرموز وعلى رأسهم الباشمهندس صلاح خوجال، والأمير حسن كافوت، والأخ الرمز الأستاذ المؤرخ حسن أحمد الشيخ، والصديق سليمان الغسين مع الدعوات بالشفاء، ومؤكد لقاء أهل الإعلام الوزير مصطفى الشريف والزملاء غطاس وجمال مكاوي وأسرتي الإذاعة والتلفزيون، حيث يرابط الخبراء الأساتذة بقيادة الكبيرين إبراهيم البزعي ومبارك خاطر.
**في بورتسودان أدهشني انتظام العمل والإرسال الفضائي، وقلت للإخوة الوليد مصطفى ومحمد خير وعواطف محمد عبد الله ومجموعة منسجمة من أبناء جيلنا والشباب بأن التاريخ سيسجل لهم دورهم في إعادة التأسيس، بل هو الأصعب لأنه قام على دمار.
**في بورتسودان بلغني وفاة ابن العم الأخ الصابر الصبور على المرض محمد سليمان صالح، والد زوج ابنتي، أسأل الله أن يجزيه مقابل صبره على فقد البصر والمرض، كما كافأه بالدفن بالبقيع مع الصحابة وأمهات المؤمنين، إنا لله وإنا إليه راجعون.
**قد نلتقي السبت القادم من عطبرة أو بري إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.