إبراهيم عيسى هدل يكتب: مكاييل ماما أمريكا المتعددة

مكاييل ماما أمريكا المتعددة

إبراهيم عيسى هدل

طرح رئيس الوزراء د. كامل الطيب إدريس مبادرة السلام السودانية على منضدة مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة، المرتكزة على إعلان المبادئ لوقف إطلاق النار المؤقت والترتيبات الإنسانية، الموقع في جدة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع في مايو ٢٠٢٣م، والمطالب للمليشيا بالخروج من الأعيان المدنية، وعدم اتخاذ المواطنين دروعًا بشرية، والامتناع عن توسيع نطاق المواجهة العسكرية خارج نطاق العاصمة المثلثة، الأمر الذي لم تلتزم به مليشيا الجنجويد بتوسعها وانتشارها في ولايات دارفور وكردفان والجزيرة وسنار، مما جر عليها الإدانات الدولية المتصاعدة لجرائم الحرب والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، وانتهاكات حقوق الإنسان، والموثقة بكاميرات المتمردين على الدولة في دارفور وغيرها.
جاءت مبادرة رئيس الوزراء لقطع الطريق أمام خارطة طريق الرباعية المتماهية مع التكتيكات والسيناريوهات الإماراتية، ولتحجيم محاولات الاتحاد الأوروبي تجاوز الدولة، بقراره تسيير جسر جوي للمساعدات إلى الفاشر، دون تنسيق مسبق مع الحكومة السودانية ذات السيادة على أرضها. ورغم الإدانة الدولية الواسعة للمليشيا، يحاول الاتحاد الأوروبي إنقاذ مناطق تخضع للجنجويد، ليعيد سيناريوهات بعثة “شريان الحياة” التي دعمت الحركة الشعبية عسكريًا ولوجستيًا تحت غطاء العمل الإنساني، وذلك إمعانًا في تبييض وجه المليشيا عبر الإغاثة والمساعدات الإنسانية، تلك المساعدات التي عجزت منظمات الإغاثة الدولية عن تقديمها لأهل الفاشر طوال ثمانية عشر شهرًا من حصارهم المطبق من قبل مليشيات الجنجويد.
لا تخفى على المتابعين السياسة الأمريكية والغربية عمومًا في الكيل بمكاييل عدة إزاء الحروب والصراعات الدولية، فشتان ما بين خطاب الإدانة الدولية لجرائم حرب الجنجويد وممارستهم المنتهكة للقانون الدولي الإنساني، وما بين الإنسانية المسيسة التي تتجاوز سيادة الدولة، لإنقاذ مناطق خاضعة للمتمردين، وتفتح الباب للتدخل الدولي في إدارة الصراع وتلميع الجنجويد، رغم كل ما تسببوا فيه من أوضاع إنسانية متردية، بتدمير البنيات الأساسية والخدمات، وقصف مولدات الكهرباء ومحولاتها بالمسيرات، ونهب ممتلكات المواطنين، وإجبارهم على النزوح القسري واللجوء إلى دول الجوار، إضافة لتعطيل دولاب العمل والإنتاج، وتخريب المواسم الزراعية وتحطيم المدن الصناعية.
لقد اتسمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإبرام الصفقات السياسية على نمط صفقات البزنس، في صناعة سلام هش وترك المنطقة فوق برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، كما هو الحال في قطاع غزة وجنوب لبنان. لذا يضغط مستشارو الرئيس الأمريكي للوصول لهدنة مؤقتة بثلاثة أشهر، أملًا في ترجيح كفة ميزان القوى لمصلحة الحليف الإماراتي ومكفوليه، ومن ثم تليين موقف الجيش السوداني ليسير نحو حل تفاوضي مع الجنجويد، يتجاوز إعلان المبادئ المبرم في جدة بوساطة سعودية أمريكية، حيث تعمل المليشيا وكفلاؤها وأعوانها من المدنيين على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للصهيونية العالمية في تفتيت السودان وتقسيمه لدويلات متناحرة، وليمسك الأمريكان بخيوط اللعبة وملف الأزمة السودانية وحروبها متطاولة الأمد.
ولعل من المفارقات الكبرى تلك المساعي المحمومة للمبعوثين الأمريكان للشرق الأوسط لحصر السلاح بيد الدولة، ونزع سلاح حركات المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي، كحركتي حماس والجهاد بفلسطين، وحزب الله اللبناني، والحشد الشعبي العراقي، إضافة لمنع إعادة إعمار غزة والجنوب اللبناني، تحت سيطرة منظمات وأحزاب تصنفها أمريكا منظمات إرهابية، بينما يمتنع مستشار الرئيس الأمريكي “مسعد بولس” عن تصنيف الجنجويد مليشيات إرهابية، ويتجاوز نزع سلاحها المتمرد على الدولة، بينما يكافئها الجسر الجوي الأوروبي إلى الفاشر، لفرض الأمر الواقع بتقسيم السودان والتطبيع مع “تأسيس دويلة العطاوة الكبرى” في دارفور.