
أمين حسن عبد اللطيف يكتب: رفيق الأجل .. حكاية الإنسان “خالد”
رفيق الأجل .. حكاية الإنسان “خالد”
بقلم: أمين حسن عبد اللطيف
التقيتُهُ ونحنُ في مُقتبل العُمر، وتوافقت أهوائُنا منذُ الوهلة الأولى. فملامُحنا متشابهة وأرواحُنا متآلفة، وأمزجتُنا متقاربة. وأولُ ما جذبُنا هو التفكَرُ المُكملَ لبعضه بشأن تصاريف الدنيا وفلسفتُنا المتطابقة في دقائق أمور الحياة. وكانت لحظةُ اللقاء الأول مُدهشةَ، إذ قدمني إليه مُدير شؤون الطلاب في تلكم الكُلية البريطانية العريقة، بقوله: هذا طالبٌ جديدٌ من بلَدِكَ، وكنتُ السوداني الوحيد بتلك الكلية لمدة عامٍ ممتد أدركتُ فيه معنى قول أبي الطيب بـ “غريبُ الوجهِ واليدِ واللسان”، فبدَل وحشة ليلي نهاراً مُشرقا، ولم تتبدَل مُتعةُ تلك اللحظة إلى يومِنا هذا. تدرجت بنا السنون لتنضجَ أفكارُنا وتستوي مقاصِدُنا وترمي بنا الأقدارُ مرامي شتَى، إلا أن قُربنا من بعضِنا لم يتغير ومثلَ الرباطُ الروحي بيننا الدافع الأقوى لقُربِنا على الرغمِ من بُعدي الجُغرافي عنه على مدى الأزمان، إذ اغتربتُ عن الوطن وانقطع التواصلُ بيننا إلا أن الذكرى الباقية بدلت الغربةَ اتصالاً دائماً وذلك قبل أن تتجسدُ ثورة الاتصالات معجزةً كما نعرفها اليوم في عالمِنا العجيبُ هذا والتي أصبحنا نتخذها أمراً مُسلماً به وما أجحد الإنسان!، فكنَا نتواصلُ روحياً كأن آلاف الأميالِ لم تكن بيننا. وعندما عُدتُ إلى الوطنِ أحملُ داخلَ روحي “فرح البعيد العاد” كما شبَه الشاعر التجاني سعيد عيون محبوبته، كان هو سببُ فرحة العودة الرئيس، عًدتُ وكأننا لم نفترق لسنواتٍ، وتوالت أوقاتُ اللقاءات التي تحملُ لهفةُ ولِذة الاستمتاع بالجلوسِ سوياً إلى ذلك الرمزُ الفنان الغنائي الأشهر والنهلُ من معينه الإبداعي الذي لا ينضبُ. إذ أن مِزاجُنا الفني حتمَ التقرَبَ لـ ذلك الفنان العجيب، والذي بدوره استشفَ محبتنا له فلم يُخفِ عنَا إعجابه بنا وإن لم يتفوق على إعجابِنا به. عرفتُ “شبيهي” هذا في عُدةِ مواقفٍ لم يكُن فيها إلا السندُ المتين والحِصن المنيع من نوائب الدهر بفكره واختياره الخيَرِ عند الخِيار، فألجاُ إليه ليُضيءَ ظلامَ الأمرِ عندما يقدحُ زنادُ الفكرِ لأنه “ثبات عقلي ودرقتي وسيفي” كما قال شاعرُ البطانة..
لا يتركُ لي ذلك “الشبيه” كآبةً في غُربتي إلا وأزالها بخفة دمه، إذ أن المرحَ والقفشات الذكيةَ مزجت روحه، فكانت العِبارات اللطيفة تنسابُ من فمه كما الكلام، وعُرفَ بين أصدقائه بلطيف المِزاح والهزل العفيف، ودائماً ما أجترُ فكاهاته وتعليقاته المُضحكةَ عندما تعتادني أوقاتُ الضيقِ فتُبدلِ مخاوفي أمناً وتُحيلُ سواد لحظاتي بهاءً وأنا بعيدٌ عنه، فهو معي وبيني ، وصوته الحبيبُ برسائله الصوتيةَ إليَ يُثبتَ فؤادي المُتهيبِ وأخبارُ السوءِ تعتري نشرات الأخبار فألجأُ إلى الطمأنينةَ المبثوثة طي نبراته الرحيمة.. نعم، فأنا افتقدَ حضوره في كل ثانيةِ غيابٍ عنه، وأعيشُ على لحظاتٍ حسانٍ أقضيها بقُربه وأسعدُ بما تحملهُ من إحسانٍ ومودة..
عندما أدلهمتِ الخطوبُ وحلَت كارثة الدمار بالديار، اضطرُ ذلكم الإنسانُ الخيرُ إلى النزوحٍ وهو المسكونُ بحبِ أوطانه، فلم تقوَ روحُه الشفيفة على تحمَلِ شقاءِ البُعدِ عن السودان فاعتلَ جسدُهُ وكأنه يُضحي بعافيته ثمناً لسلامِ بلادنا. قطعتُ ألاف الأميال لأعُدهُ وهو طريحُ الفِراشِ فأُدميَ فؤادي وأنا أرى عذاباتِ ضميرهِ تنتاشُ فِكرَهُ وهو يحملُ آلامَ كل الناسِ بالرحيل عن الديار قسراً، فأيقنتُ أنه يزودُ عنهم الشرَ بتضحياته الجِسام ويُسدِدَ فاتورة الظُلمَ الذي عمَ سماء الخرطوم بصحته الغالية وعافيته الثمينة. وهذا هو دأبه، الإيثار وإن كان به خصاصةٌ. فآثرَ السكونَ إلى المرض دونَ مقاومةٍ ليدرأ سوءَ المآلِ عن أهله وأحبابه وخاصَته، وإن كان احتياجهم لوجوده بينهم أثمنُ من تضحيته العظيمةُ هذه، حتى وإن خفيت عليه تلكم الحقيقة، وهو الجوادُ الذي تُلهِمه معاناة الغير فيهرعُ إلى اطفائِها وليس ذلك إلا من كريمِ خلائقه ورِقَتِهِ.
بكل الخير والسلام والمحبة التي خُلقت روحُ الإنسان “خالدٍ” بها ومن أجلها، أطلبُ إلى خالقه وخالِقِنا العظيم القادرِ الكريم أن يُكرِم أحبتَهُ وذويه أولاً بعاجلِ شفائِه، وأن يُسعدَ كل مَن لم يُحظَ بالقُربِ منه بمعرفته والتماسِ الاستمتاع برفقته الثريةَ والأمينة، إنه على ذلك قديرٌ وبمطلَبِنا جميعاً سميعٌ مجيب.. اللهم آمين..
خالد عبد الله إبراهيم: لن أَخُصُّكَ في بُرءٍ بِتَهنِئَةٍ – إِذا سَلِمتَ فَكُلُّ الناسِ قَد سَلِموا