
عامر باشاب يكتب: «ست الحبايب» مضت إلى الآخرة، وأخذت معها الأولى
قُصر الكلام
عامر باشاب
«ست الحبايب» مضت إلى الآخرة، وأخذت معها الأولى
الثامن من رجب أصبح من الأيام المشهودة في حياتي، بعد أن طُبع في ذاكرة القلب قبل أن يرسخ بكل أحزانه في ذاكرة العقل؛ فهو اليوم الذي رحلت فيه والدتي العزيزة، والسيدة العظيمة، الحاجة «تاجوج عباس» من دنيانا الفانية، حيث أسلمت روحها الطاهرة النقية إلى ربها راضيةً مرضية، يوم الاثنين ٨ رجب من العام ١٤٤٤هـ بالأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية. ويوم الأحد ٨ رجب ١٤٤٧هـ، الموافق ٢٨ ديسمبر ٢٠٢٥م، مرت ذكرى رحيلها الثالثة، وكل هذه الفترة وأنا على يقين تام بأنها استقرت مع المصطفين الأخيار في «جنةٍ عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين».
وزاد يقيني هذا، إضافةً إلى كونها من أهل التقوى والصلاح، زيارتها لي من حين لآخر في عز المنام بطلّتها البهية، مع زيادة في البهاء والنقاء ونضارة وجهها، تكتسي أفخر الثياب ناصعة البياض، تجلس على سرير مُخضر معلّق في فضاء واسع، محاطة بالمروج الخضراء والحمائم والعصافير، وبطريقة تحاكي جلستها تلك التي عهدتها عندما كانت تنوّر بيتنا بالجمال والنضار بحضورها الطاغي، وهي تملأ المكان والزمان تحت شجرتها العتيقة، التي كانت تمتد بظلها الوريف على مساحة مقدّرة من حوش البيت.
ظلت في حياتها تحرص على البقاء تحتها يوميًا، تستقبل جاراتها اللاتي كن يحضرن إليها بلهفة وشوق، يتبادلن معها الونسة الحلال المبرأة من كل عيب، يتفقدن فيها أحوال بعضهن البعض، بالإضافة إلى أحوال أهل الحي كافة، ثم بعد ذلك يتفاكرن في تدبير معيشة اليوم بكل تفاصيلها. وشجرتها تلك كانت تضم حتى براعم الحي، الذين كبر أجيال منهم بنين وبنات تحت أقدامها، وهي تحتويهم صباحًا ومساءً، تقدم لهم ما عندها من مأكل ومشرب وحلوى معطونة بعسل المحبة والألفة والحنان، لا تفرّق بينهم وبين أبنائها وأحفادها، وكانت تجود بكل ما تملك من موجود، وكل ما يأتيها من خيرات السوق على جيرانها، دون أن تدّخر أو تعمل حسابًا ليوم بُكرة.
هذه جزئية بسيطة من كتاب يوميات أمي العزيزة، التي كانت حياتها حافلة بالعطاء الإنساني والوجداني الذي لا تحدّه حدود.
قُصر الكلام بس والسلام:
هكذا مضت الوالدة الخالدة إلى الدار الآخرة بكل ما تحشد في دواخلها من صفاء روح وطهارة نفس، وكل ما تملك من قيمة وقيم الصحابيات، وأضف إلى ذلك أنها أخذت معها الدار الأولى، الدنيا بأجمعها، وبعدها الفريق أصبح خلا، وبيتنا من دونها أصبح عبارة عن طوب مرصوص بلا حس محسوس، فقد ذلك النضار الذي كان يملأ المكان والزمان بالمحبة والحنان ليل نهار.
أخيرًا وليس آخرًا:
أمي الغالية، ظللت بعد رحيلك في نوبة حزن متواصلة لم أفق منها حتى الآن، وظللت أيضًا أحمد الله كثيرًا أن اصطفاك إلى جواره في هذا التوقيت العجيب، وعافاك وحماك من حضور زمان تبدلت فيه الأحوال، وطغت الأهوال، وطلت الفتن والمحن بكل قبحها، وساد الإفساد، وكثر النزيف والزيف.
أمي الغالية، ست الحبايب، مني ليك سلام
وكل عام وأنتِ على ما يرام في الجنة، دار المقام بجوار النبي الحبيب المصطفى، القائد الإمام، خير الأنام، وآل بيته الكرام.
وأسأل الله راجيًا متوسلًا أن يجمعني بكم بسلام في ذاك المقام.