
كمال عوض يكتب: العلاقات السودانية السعودية .. جذور راسخة وآفاق واعدة
قضايا وآراء
كمال عوض
العلاقات السودانية السعودية .. جذور راسخة وآفاق واعدة
تُعدّ العلاقات بين السودان والمملكة العربية السعودية من أقدم وأعمق العلاقات الثنائية في المنطقة العربية والإسلامية، إذ تقوم على أسس تاريخية ودينية وإنسانية ومصالح استراتيجية مشتركة، جعلتها علاقات تتجاوز حدود السياسة إلى فضاء الأخوة والتواصل الشعبي المستمر.
تعود جذور العلاقات السودانية السعودية إلى عقود بعيدة، حيث ظلّ البلدان على تواصل دائم منذ ما قبل استقلال السودان، وتعززت هذه الروابط مع انضمام السودان إلى المنظومة العربية والإسلامية. وقد اتسمت العلاقات الرسمية بين الخرطوم والرياض بالاستقرار والتنسيق المستمر، رغم تعاقب الحكومات وتبدل الظروف الإقليمية، ما يعكس عمق الثقة المتبادلة والحرص المشترك على الحفاظ على هذه العلاقة المميزة.
وعلى المستوى الشعبي، يكنّ الشعب السعودي محبة خاصة للسودانيين، تجسدت في حسن الاستقبال والاندماج الاجتماعي والاحترام المتبادل. فقد شكّل السودانيون جزءاً من النسيج العملي والاجتماعي في المملكة، وأسهموا بكفاءة عالية في قطاعات التعليم والصحة والهندسة والإدارة، ما رسّخ صورة إيجابية للسوداني لدى المجتمع السعودي.
في المقابل، ظل تعلّق السودانيين بالمملكة العربية السعودية تعلّقاً وجدانياً قبل أن يكون اقتصادياً، إذ ينظرون إليها باعتبارها مهبط الوحي وأرض الحرمين الشريفين، ومقصداً روحياً له مكانة خاصة في قلوبهم. ولهذا السبب كانت المملكة دائماً الخيار الأول للسودانيين في الاغتراب، لما توفره من بيئة دينية آمنة، واستقرار اجتماعي، وفرص عمل، إلى جانب القرب الثقافي والقيمي.
وفي أوقات الأزمات، لم تتأخر المملكة عن الوقوف إلى جانب السودان، حيث قدّمت دعماً إنسانياً متواصلاً عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي لعب دوراً محورياً في تخفيف معاناة السودانيين خلال الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية والإنسانية. وشمل هذا الدعم الإغاثة العاجلة، وحفر الآبار، وتأهيل المستشفيات، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب تقديم الدعم النقدي للفئات المتضررة.
وعلى المستوى السياسي اضطلعت المملكة العربية السعودية بدور محوري في دعم مساعي السلام في السودان، وكان أبرز ذلك منبر جدة، الذي استضافته المملكة بالشراكة مع الولايات المتحدة، بهدف وقف القتال وحماية المدنيين وتهيئة المناخ للحل السياسي. وقد مثّل منبر جدة ترجمة عملية لالتزام السعودية بدعم الاستقرار في السودان، وتأكيداً لدورها كوسيط موثوق يسعى إلى إنهاء الصراع بعيداً عن الأجندات الضيقة.
وفي هذا السياق، برزت مبادرة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وحرصه على حشد الدعم الإقليمي والدولي لحل الأزمة السودانية، بما في ذلك تواصله مع قيادات دولية فاعلة للدفع باتجاه تدخل إيجابي يفضي إلى تسوية سياسية شاملة، وهو ما يعكس إدراك القيادة السعودية لأهمية السودان في منظومة الأمن العربي والإقليمي.
واقتصادياً، تشهد العلاقات بين البلدين حضوراً واضحاً للاستثمارات السعودية في السودان، لا سيما في مجالات الزراعة، والثروة الحيوانية، والطاقة، والعقارات. وتُعدّ هذه الاستثمارات من الأكبر عربياً، مع وجود مشاريع استراتيجية قائمة، وأخرى مخطط لها مستقبلاً، تعكس ثقة المستثمر السعودي في الموارد السودانية وفرص التعافي الاقتصادي.
أما في الجانب الأمني، فتربط البلدين ملفات مشتركة بالغة الأهمية، تشمل أمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للتهريب وتجارة المخدرات، إضافة إلى التنسيق العسكري ومشاركة القوات المسلحة السودانية في جهود دعم الشرعية في اليمن ضمن التحالف العربي، وهو ما عزز مستوى الشراكة الأمنية والعسكرية بين الخرطوم والرياض.
وفي إطار تعزيز هذه العلاقات، يبرز الحراك الإيجابي الذي يقوده سفير خادم الحرمين الشريفين لدى السودان، السفير علي بن حسن جعفر، الذي اضطلع بدور فاعل في تنشيط الدبلوماسية الشعبية، وتعزيز التواصل المباشر مع مكونات المجتمع السوداني، والقيادات الرسمية والأهلية، ومتابعة القضايا الإنسانية عن قرب. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ صورة المملكة الداعمة للسودان شعباً ودولة، وتقوية جسور الثقة والتفاهم بين الشعبين، بما يتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي إلى شراكة إنسانية ومجتمعية حقيقية.
وجاءت الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية، لتؤكد متانة العلاقات الثنائية، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والإنساني، بما ينعكس إيجاباً على الأوضاع في السودان، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار.
ويمكن القول إن العلاقات السودانية السعودية تمضي بخطوات واثقة نحو الأفضل، مستندة إلى تاريخ طويل من الأخوة، ودور سعودي فاعل في دعم السودان إنسانياً وسياسياً، وحراك دبلوماسي نشط ورسمي وشعبي، يجعل من هذه العلاقة نموذجاً للتعاون العربي القائم على الشراكة والمسؤولية والمصير المشترك.