د. عثمان أبوزيد يكتب: وقفة مع مركز أجيال وبرنامج حاطب ليل

وقفة مع مركز أجيال وبرنامج حاطب ليل

د. عثمان أبوزيد
كنت أتحدث يوم السبت الماضي 27 ديسمبر في الندوة الدولية لمركز أجيال بدعوة من رئيستها الدكتورة رحاب عبد الرحمن الشريف، وقد طلبت مني الحديث عن التحديات الإعلامية المعاصرة وسبل الإصلاح من منظور قيمي حضاري.
يعني شنو؟
طبعًا نحن معاشر الأكاديميين فينا من يتبع طريقة في تقديم الموضوعات، ربما بأسلوب تعليمي وتجريدي مع الإسراف في الشرح النظري، وتجنب طرح القضايا والأفكار. والحقيقة أنني توجست من هذا التوجه في الندوة التي حملت عنوان: التحديات المعاصرة التي تواجه الأمة من منظور قيمي حضاري، ولكن بحمد الله نجح معظم المشاركين في إثارة قضايا حية تمسُّ حياة الناس بشكل مباشر. وما أشد حاجتنا إلى التذكير بالقيم والحث على بنائها ولا سيما أننا داخلون في أتون حرب انتهكت كل القيم السودانية والقيم الإسلامية والإنسانية بصورة فاضحة جدا.
تناولت في مداخلتي التحدي الإعلامي الماثل من حيث القصور في فهم البيئة الإعلامية الجديدة التي نشأت عن طفرة وثورة الاتصال، ودخول كل من هبَّ ودبَّ في الإعلام تحت مظلة “صناعة المحتوى”.
وليتنا نصنع محتوى متوازنًا ومنوعًا يهتم بإدماج القيم الدينية والتنموية والتربوية في المنظومة الإعلامية. وألا يكون جل تركيزنا في طرح الإشكاليات وعرض السيئات دون عرض الحلول. ثمة أبحاث حديثة اليوم تعتني بصحافة الحلول أو الصحافة البناءة Constructive Journalism- بعدما ظهر أن السلبية المفرطة في الأخبار، تجعلنا محبطين، أو غير مبالين في أكثر الأحوال، فأصبح من المطلوب فتح نافذة لأخبار (طيبة) ولآراء تحل المشكلات وتفتح أبواب الأمل.
صحيح أن المشكلات تبدو أحيانًا عويصة تحيط بالإنسان إحاطة السوار بالمعصم، ولا تكاد توجد بارقة شيء يبعث على التفاؤل، أو على حد قول مذيعة التلفزيون بسمات عثمان: “أجيب ليك خبر مفرح من وين حبيبي أنا”!
دورة الأخبار 24 ساعة أحالت السياسة إلى مادة للفرجة بتركيز على الجوانب المعتمة، وإن لم توجد جوانب معتمة فإن الإعلام يجتهد في إيجادها.
في كتاب جديد بعنوان: شاشة العالم (The World as a Screen) يسعى ليبوفتسكي إلى رثاء هذا التحول بوصفه انحطاطاً. والشاشات التي صارت مرآة للمجتمع ومحركًا لتحوله، تعكس رغائبنا وإحباطاتنا وقلقنا وهوياتنا، لكنها أيضاً تنتجها وتعيد تشكيلها.
هذا أمر قديم وملازم للأداء الإعلامي منذ ظهوره، ولكنه يأخذ أبعادًا أوسع في عصر الشاشات هذا…
نقلتُ ضمن حديثي في الندوة عبارة شهيرة لصاحب صحيفة “الديلي ميل” البريطانية، ورئيس تحريرها اللورد نورثكليف.
أرسلت الصحيفة ونستون تشرشل – وهو آنئذ شاب – مراسلًا حربيًا لتغطية حرب البوير الثانية (1899–1902)، التي لم تكن قد اندلعت بعد.
حين أُبلغ رئيس التحرير تشرشل للسفر إلى جنوب إفريقيا لنقل أخبار الحرب هنالك، قال له تشرشل: ” ولكن لا توجد حرب الآن في جنوب إفريقيا”، فردّ نورثكليف: “اذهب، وسنجد لك الحرب”!
ويسعدني في هذا السياق أن أعلق على برنامج جديد للأستاذ الدكتور عبد اللطيف البوني يأخذ اسم عموده الصحفي (حاطب ليل). والبرنامج تلقيت حلقته الأولى هدية مشكورة من الدكتور بدر الدين فرح.
في مفتتح البرنامج يعدنا البوني أن يقدم محتوًى متوازنًا يحاول أن يكون فيه متفائلا وباعثًا على الأمل أو ما وصف: “الضوء في آخر النفق”.
تناول في الفقرة الأولى بإضاءات ثاقبة خطاب رئيس الوزراء في الأمم المتحدة. ثم أردف بموضوعه التنموي الزراعي الأثير بالتعليق على صور بعث بها مدير وكالة السودان السابق عبد الله جاد الله المزارع حاليًا بالهبيكة. وكان الكلام عن طرق بدائية بدأ يتبعها مزارعو مشروع الجزيرة في تنظيف قنوات الري بأيديهم.
وختم البوني بنعي الفنان الدكتور عبد القادر سالم بدأه بغناء مشترك بينه وبين الفنان محمد الأمين، متحدثًا عن إسهام الفنان عبد القادر سالم في نقل الإيقاعات والألحان الكردفانية إلى العالمية.
ويذكرني هذا بما نُقل عن إدريس البنا عندما كان في الإعلام السوداني؛ أنه زار كردفان ووجد المطربين هناك يقلدون مطربي العاصمة ويكررون أغانيهم، فنبَّههم إلى التراث الفني المحلي عندهم الزاخر بالإيقاعات والألحان والجماليات، وهو تراث كفيل بأن يتطور بما عندهم ليغزو العاصمة، بل ينتقل إلى مصاف العالمية.
أنا سعيد بوجود شخص مثل البوني في الإعلام ببرنامج (توك شو) له طبيعة تقييمية كما قال؛ وليس طبيعة (ردم) أو نقد حاد. وأرجو أن يتعلم منه هواة الإعلام و(اللايفاتية) الذي يملؤون الشاشات بتلوث سمعي وبصري، هداهم الله.
البوني قال في معرض نعيه لعبد القادر سالم: “أنا أكاد أقول أنو الناس السبقونا ديل ما خَلُّوا لينا حاجة حلوة إلا الغُنا ده”. ولا حول ولا قوة إلا بالله.