
كمال عوض يكتب: الاستقلال .. السودان يولد من جديد
قضايا وآراء
كمال عوض
الاستقلال .. السودان يولد من جديد
في الذكرى السبعين لاستقلال السودان، يقف السودانيون أمام محطة تاريخية ذات دلالات عميقة، تستدعي التأمل في الماضي، واستحضار الحاضر بكل ما يحمله من تحديات جسام، واستشراف المستقبل بأمل لا ينكسر.
تأتي الذكرى هذا العام والسودان يمر بظروف استثنائية، فرضتها حرب قاسية ألقت بظلالها على حياة المواطنين، وأثقلت كاهل الدولة، وهددت مكتسبات الاستقلال التي دفع الأجداد ثمنها تضحيات جسامًا.
ومع ذلك، تظل ذكرى الاستقلال مناسبة لتجديد العهد مع الوطن، واستنهاض الإرادة الوطنية، والتشبث بحق السودانيين في الحرية والسيادة والسلام.
لقد كان استقلال السودان في الأول من يناير 1956 تتويجًا لنضالات طويلة، خاضها رجال ونساء آمنوا بحق هذا الوطن في تقرير مصيره، فواجهوا الاستعمار بإرادة صلبة، ووحدة وطنية نادرة، حتى ارتفع علم السودان خفاقًا، معلنًا ميلاد دولة حرة ذات سيادة.
واليوم، وبعد سبعين عامًا، تعود معاني الاستقلال لتُختبر من جديد، لا في مواجهة استعمار أجنبي، بل في معركة الحفاظ على الدولة، وصون كرامة المواطن، وحماية وحدة البلاد من مشاريع الفوضى والتمزق.
شهد العام الماضي تلاحمًا وطنيًا لافتًا بين الشعب السوداني وقواته المسلحة الباسلة، في مواجهة مليشيا الدعم السريع التي سعت إلى تقويض الدولة وبث الرعب والدمار.
هذا التلاحم لم يكن حدثًا عابرًا، بل أعاد إلى الأذهان صور النضال الوطني في حقبة الاستقلال، حين توحد السودانيون على اختلاف مشاربهم خلف هدف واحد هو تحرير الوطن. وقد أثمرت هذه الوحدة انتصارات ميدانية مهمة، أكدت أن إرادة الشعوب، حين تلتقي مع جيش وطني عقيدته حماية الأرض والعِرض، قادرة على تجاوز أصعب المحن.
إن ذكرى الاستقلال السبعين ليست مجرد احتفال رمزي، بل فرصة صادقة لاستخلاص الدروس والعبر من مسيرة سبعة عقود، بما فيها من نجاحات وإخفاقات. فالسودان بحاجة اليوم إلى مراجعة عميقة لتجربته الوطنية، تعزز قيم الوحدة، وتنبذ الإقصاء، وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات، دولة يكون فيها السلاح حكرًا على الجيش الوطني، وتعلو فيها مصلحة الوطن فوق كل ولاء ضيق.
ورغم الجراح الغائرة، يظل التفاؤل بالتعافي ممكنًا، بل واجبًا. فالسودان يمتلك من الموارد، والطاقات البشرية، والإرث النضالي، ما يؤهله للنهوض من جديد.
ويظل الأمل معقودًا على أن يكون العام الجديد بداية حقيقية لمسح أحزان الحرب وأهوالها، وانطلاقة جادة نحو إعادة الإعمار، وترسيخ الأمن والاستقرار، وعودة الحياة إلى طبيعتها في كل ربوع الوطن.
في الذكرى السبعين للاستقلال، يتجدد الدعاء بأن يكون السودان حرًا، آمنًا، مزدهرًا، وأن يوفق أبناؤه، قيادةً وشعبًا، للعمل معًا من أجل بناء دولة تليق بتضحيات الأجداد، وتستحق أحلام الأجيال القادمة.
كل عام والسودان أقوى بوحدته، وأمضى بإرادته، وأكثر إشراقًا بمستقبله.